التعديلات ثلاثية الأبعاد

الاثنين 7-08-2017| 19:14

خالد ولد الداه

الوطنية : نظم مفدي زكريا النشيد الوطني الجزائري في زنزانته، وهو صاحب إلياذة الجزائر، التي شكلت نظيرة ملحمة هوميروس، على الأقل بالنسبة لنا نحن العرب. لكن نص "قسما بالنازلات..." هو الذي خلد اسمه، فكان سبب حيازته لقب "شاعر الثورة" واعتمدته جبهة التحرير نشيدا لها، وحذت الدولة بعد ذلك حذوها. هل من العبث أن يتطلع الشعب الموريتاني وهو قاطن "بلد المليون شاعر" لأبيات تحفر تاريخه الجهادي المجيد في ذاكرة الأجيال، أبيات ملهمة ملهبة لمشاعره وأحاسيسه، تشعره بالانتماء لماضيه البطولي، و تأخذ منه الولاء لحاضره و مستقبله.
يتساءل تائه عن أهمية ألوان العلم؟ فبالنسبة له لا يجد فرقا "أخضر..أبيض" لا يكترث لاحتوائه نجما أو مذنبا فالعلم "مجرد قطعة قماش و ستظل كذلك مهما طرزت" تجده يقول و ببرودة "لماذا كل هذا الضجيج" عندما تأملت في الموضوع وجدت من بين الأسباب وراء تلك السطحية : مخلفات البداوة التي تجعل صاحبها لا يلتفت للألوان، نظرا لانحصارها في لونين أو ثلاثة. رغم الانتقال نحو المجال الحضري و ارتياد المدارس و تعدد الأشياء و تنوعها بألوانها الزاهية، ظل هذا البدوي يتعامل معها كنوع من الخذاريف، رسخ ذلك كون أقل الفنون انتشارا فينا الأول و الثاني و الثالث (النحت و الرسم و التلوين)، في حين تزدهر فنون أخرى كالرابع و السادس (الموسيقى و الأدب) المتعلقة بالسماع. ما الضير عندما يقرر الشعب تحسين علمه متى ما تطلب الأمر وتسنت الفرصة، كما رأينا في بلدان مسايرة لحركة الأجيال و اختلاف تعاطيها مع الألوان، و ما تمثل لها من رمزية و دلالات.
التحسين المتمثل في : إضافة اللون الأحمر الذي تحقق الإجماع على إحالته للمقاومة، و تخليد الشهداء و إشارة لدمائهم التي سالت دفاعا عن أوطانهم و كرامتهم و حفظا لأعراضهم و تمسكا بهوياتهم و ثقافاتهم. كيف تكون موريتانيا بدعا في هذا الصدد، و هي التي جاهد فيها الأبطال أيما جهاد، فكبدوا المستعمر الخسائر بعد الخسائر و جرعوه دنان الهزائم، و غصت صفحات كتب الفرنسيين بذكر أسماء القادة و المعارك، و سار على دربهم رجال الجيش الموريتاني الذي بذل أرواح عناصره و ضباطه، مواصلة لمسيرة بسالة و إقدام رسم أجدادنا مسارها و حرص المحتل على طمس معالمه التي لم و لن تندرس. شكرا لأولئك الأشاوس لأن "من لا يشكر الناس لا يشكر الله"، سنذكر ولد بو هدة (الذي لا يزال على قيد الحياة) أكثر من ذكر الفرنسي لجاندارك، و سيعي كل موريتاني أي تاريخ ينقش في ذاكرة الشعب، عندما يحمل روحه على كفه ذودا عن الحوزة.
الحكم الرشيد : يأتي التخلص من مؤسسة أثقلت كاهل الدولة (مجلس الشيوخ)، و استنزفت أموالا طائلة الشعب في أمس حاجتها دليلا على نبل القصد من وراء التعديل الدستوري، ترشيدا للمال العمومي و تعبيرا صريحا عن الاستمرار في الحكم الرشيد : المذهب الشهير الذي يردده الناس كتعبير دارج و نادت به البشرية جمعاء. موريتانيا التي عرفت العقد الثاني من هذا القرن تفعيلا لوكالات (النفاذ الشامل) و خلق أخرى (التضامن) هي من آليات الوصول إلى حكم رشيد، تدمج اليوم ثلاث بنيات في واحدة و تضيف البيئة للمجلس الاقتصادي و الاجتماعي.
اللامركزية : كغيرها من الدول عرفت بلادنا تدرجا من المركزية الإدارية (تحديدا الإقليمية أو المحلية)، مرورا بعدم التركيز و المصالح الخارجية، نحو اللامركزية التي تجسدت باهتة مع ظهور البلديات. و لأن السير في طريق اللامركزية يتطلب وقتا و جهدا و رؤية، كان من الصعب التجاوز إلى المحطة الموالية و هي خلق أكثر من وحدة لامركزية إدارية، تمتلك الشخصية المعنوية و الذمة المالية و تتنازل لها السلطة التنفيذية عن بعض اختصاصاتها.
و بعد أن قطعت بلادنا أشواطا في لامركزية المرفق، آن الأوان لاستفتاء الشعب عن : خلق وحدة لامركزية إدارية ثانية؟ المجالس الجهوية انتهاجا لتعدد الوحدات الإيجابي، و علاجا للاعتلال الناجم عن التقطيع الإداري الخاضع لإملاء الجغرافيا و الديموغرافيا، و سبيلا إلى التوزيع العادل للثروة من خلال تقاسم الاختصاصات أو نقلها حتى.
تبديدا للبس الذي يتمتم به البعض "المجالس الجهوية بداية الفيدرالية" نورد : التعديل الدستوري محل الاستفتاء، كان صريحا في نقل اختصاص مجلس الشيوخ إلى الجمعية الوطنية، إذا لا يوجد دور تشريعي للمجالس الجهوية، التي ستعنى بالتنمية و رسم السياسات، و الفدرالية تتطلب تقاسم السلطات الثلاث مع أشخاص معنوية محلية أي إدارة قضاء و برلمان.


عودة للصفحة الرئيسية