في قريتي أناسُ أماتوا الحيْ..!!

من صفحة الكاتب الصحفي

الاثنين 7-08-2017| 14:30

الشيخ ولد محمد حرمه

بحث عن سبحته، وجدها ملقاة على السجادة المهترئة في ركن البيت، وضع عمامته على منكبه فالشمس في الخارج ما تزال خفيفة، الساعة تشير إلى التاسعة صباحاً، خرج من بيته الذي يقع على مرتفع، وقف ينظر للقرية الصغيرة الممتدة أمام ناظريه، وهي أقرب إلى النوم منها إلى اليقظة، فاليوم عطلة مع أن أغلب أيام أهل قريته عطلْ!

الأزقة، أو ما يسمونه هنا شوارع، هادئة جداً وخالية من الحركة فأغلب السكان هاجروا نحو العاصمة بحثاً عن لقمة العيش، يأتون للقرية فقط في المناسبات والأعياد، أما القاطنون فأغلبهم نساء وشيوخ وأطفال، يعيشون بسعادة كبيرة في عالمهم الخاص، بل إنهم يعتقدون أن الكون يدور حول قريتهم الصغيرة.

نفس المشاهد التي تعود على ملاحظتها عندما يسير في "شوارع" قريته؛ سيدة تغلق نافذة بانفعال، قبل أن تعود وتفتحها لتنظر نحوه وهي تستر نصف وجهها، صراخ طفل وصراخ أمه عليه، دجاجة تطارد بعض الحشرات الطائرة، ومعزاة تحاول تسلق باب محل لتخزين الغذاء، شاب يسير بسرعة دون أن يجري، صوت أحذيته وثوبه الذي تلعب به الرياح، يحمل في يده أوراقاً وعلى وجهه يبدو الحماس.

كان يسير في نفس اتجاه الشاب المسرع، نحو المدرسة حيث ينظم التصويت في الاستفتاء على تعديل الدستور، فقد طلب منه قريبه المشاركة في التصويت، مؤكداً أن الكبار في السن أحق بأن يعبروا عن إرادتهم ويدلون بأصواتهم، كنوع من إثبات الذات والتأثير في الواقع، وألقى أمامه محاضرة طويلة عن أهمية التصويت وقيمة صوته كمواطن يملك خبرة وشهرة في القرية.

وصل إلى المدرسة، كانت متواضعة ككل البنايات في القرية، بعض فصولها تعاني من تشققات كبيرة، وأحسنها حظاً تساقط الطلاء من جدرانه، الفصل الذي اختاروه مكتباً للتصويت كان أحسنها، ولكن مع ذلك كانت الحفر تحتل أرضيته، وسبورته شاحبة، سلم على اللجنة، كانوا لطيفين وجد محترمين، أخذوا من عنده بطاقة تعريفه وبدأوا البحث عن اسمه على اللائحة الانتخابية لمنحه فرصة الإدلاء بصوته.

كان ينظر للصندوقين المنصوبين في قلب الحجرة، الأوراق بادية داخلهما، بدا واضحاً له أنهما شفافين، ولكنه لم يعرف إن كانا مصنوعين من الزجاج أم من البلاستيك، قرر أن يلمسهما عندما يقترب منهما للتصويت، ولكن صوت رئيس المكتب جاءه هادئاً: والدي أنت أدليت بصوتك قبل قليل، أنسيت!

استغرب ما قاله رئيس المكتب، ولكنه لم يصر، تناول بطاقة تعريفه وخرج، غير أن أكثر ما بقي يشغل باله هو هل الصندوقين صنعا من الزجاج أم من البلاستيك، وقد ضاعت منه فرصة الإجابة على هذا السؤال!

وهو يغادر مكتب التصويت تقدم نحوه الشاب المتحمس الذي مر بجواره قبل قليل، سلم عليه بأدب، وقال: "الوالد لقد صوتنا نيابة عنكم، وإن كنتم ترغبون في التصويت فتوجد بطاقة ناخب لأحدهم يمكنكم التصويت بها"، فكر في الصندوقين ولكنه اعتذر بلباقة لأنه كان قد تعب ويريد العودة إلى البيت، وضع عمامته على رأسه، وجمع يديه خلف ظهره، وغادر.

المعزاة التي كانت تحاول صعود باب المخزن أعياها التعب فاضجعت بجواره، على ظهرها تقف دجاجة تحرك جناحيها وكأنها تقلد الطيران دون أن تحلق، وصوت نافذة أحد المنازل تلعب بها الرياح، يأتيه صوت سيدة من الخلف يناديه باسمه، يتوقف ويلتفت نحوها، إنها المرأة التي يلقبونها في القرية بـ"جهينة"، لكثرة ما تحصل عليه من أخبار وسرعته.

خاطبته وهي تضحك بصوت عالٍ: "صوتوا عنك لأنهم شكوا في قدرتك على المجيء، لا يعرفون أننا ما زلنا نملك القوة، وأن الشباب في الفكر وليس في الجسم"، ثم أضافت دون أن تعطيه فرصة للتعليق: "كانوا سيفعلون ذلك معي ولكنني لم أقبل معاملتي كالميت، جئت في الصباح الباكر وأدليت بصوتي، لم يصوت قبلي سوى زوجتك التي طبعاً صوتوا نيابة عنها"، اندهش لكلامها ولكنه رد عليها بهدوء: "جزاهم الله خيراً".

عاد إلى بيته، نزع عمامته التي ابتلت من العرق، وضعها على حافة الباب لتجف قبل موعد صلاة الظهر، تناول سجادته المهترئة وألقاها في منتصف البيت، صلى ركعتين دعا بعدهما بالرحمة والغفران لزوجته التي توفيت قبل عام.

من الواقع المؤلم

عودة للصفحة الرئيسية