في الروائح والنظام/ابو العباس ولد ابرهام

تدوينة

الجمعة 4-08-2017| 21:58

ابو العباس ابرهام

النميمة هي البنية الفوقية للنتانة. وهذا ما عرِفه ابن حزم : "إن النميمة لطبعٌ يدلّ على نَتْن الأصل ورداءة الفرع". وربّما ليس فوحان النميمة بنواكشوط هذه الأيام من السياسة بقدر ما هو من خبث رائحة العاصمة. وهذا شيء عرِفه أولاد لِبلاد، حتّى قبل أن يتسيّسوا. فـ"نواكشوط العاصمة إلاّ لوسَخ". وهذه فرصة لأقول شيئاً عن رئيسة الهيئة الحضرية. فقد عرفتُها أختاً وعقلاً وإدارية. ولم أنكِر عليها شيئاً. ففي أرذل العهد الطائعي كُنتُ أخاً وصديقاً للعائلة؛ بل وأتيح لي النفاذ إلى مكتبة الرئيسة؛ وكانت من أسرة طائعية ممُتَحنة، بل واضطُهِدت في ظروفٍ معروفة ومؤسِفة؛ وكانت الأسرة، وربما ليس الرئيسة، على طائعيتِها، تفورُ من المعارضة الداخلية ومن التّوْقِ لموريتانيا بديلة. وكنتُ لحين مُسامِراً، وإن ليس نِداً. وقد استبشرتُ خيراً عندما وصلت هذه الإنسانة الجادّة إلى الهيئة الحضرية، أعلى سلطة بلدية بالبلاد (مع أن شكوكي بدات تعتمِل قبل ذلك عندما تفتّقت شخصيتها العمومية). ويتعيّن علي أن أبوح بأن ما رأيتُه وشممتُه في عودتي لنواكشوط كان إحباطاً كبيراً لي. فأنا كنتُ أتوقّع نظافة، إن لم يكن أناقة وثورة.
إنّني على عِلم بأولئك النمّامين الجوّالين، كما أسلفتُ. ولكنّني أودُّ أن يُنقل إحباطي بأنه من سياسات عمومية، لا من شخص. لقد كُنّا نُجيب في العهد الطائعي أن المشكلة لم تكن مشكلة الأشخاص؛ فالعباقرة كانوا ينضمّون يومياً للنظام. ولكنّهم لم يفعلوا شيئاً. المشكلة كانت مشكلة النِّظام. من الواضِح أن هذا ما زال مطروحاً.
أوَدُّ أيضاً أن أقول إنّني لم أقُم اعتيادياً بالنقد البلدياتي للأنظِمة في موريتانيا. والواقِع أنني أردتُ دوماً أن أتجافى عن معظم المعارضين والموالين، الذين لا نظرية لهم في السياسة والعدالة وليس لهم من النقد السياسي إلاّ النقد البلدياتي. ومع ذلك فإن هنالك كنوزاً في هذا النقد البلدياتي تجاه النظام في موريتانيا. ثمّ إن الرائحة لم تعد تسمح.
أيضاً إن أصدِقائي يُلاحِظون إنني أكون بعيداً عن السياسة في هذا البلد قبل أن أعود إليه. وهذا صحيح : فمن الخارِج يبدو كما لو أن هذا البلد صالح ومستقيم. ولكن ما إن تحطّ فيه الرِّحال حتّى يظهر على حقيقته. إنه آئل للفشل والبوار والمحاق. وإنه يزداد فوضوية وهلامية وتشرذماً يوماً بعد يوماً. وكما قال عنه إداري قديم فإنه "ايْشِفْ ويَوْجَع".

عودة للصفحة الرئيسية