محظرة الساعي للقرآن الكريم تعزي في وفاة المربية الفاضلة آمنة بنت عبد الله ولد حدمين يستقبل رئيس الاتحاد الافريقي لكرة القدم رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية الائتلاف: منسقية روصو تخلد اليوم العالمي للمدرس 2017 صعود قوي لأسعار النفط بسبب الصين ونيجيريا عودة إلى رواية "العملية هبرون" لأريك جوردان بيان نعي فقيد الأمة الشيخ ولد بلعمش مجلس الأمن يتخذ قرارا بشأن قوة دول الساحل الخمس امريكا تبدأ تنفيذ الحظر الكامل لسفر مواطني ست دول حول قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس

حول أصل كلمة "تَبّاتو" التي تعني "البيضاني" بالبولارية /(2)

الثلاثاء 1-08-2017| 14:00

بقلم: عبد الله سيرى با/ترجمة: محمد عبد الله ولد البوصيري

وإني لأخشى أن يكون ميْلُنا الطبيعي إلى التأويل الشخصي والاكتفاء به، دافعا إلى الجزم بما هو في أحسن الأحوال مجرد افتراض ضمن افتراضات كثيرة. ومهما حزّت في النفس آلام وفظائع النهب وحرق المزارع (لمن عاشوا تلك المعاناة في الماضي أو لمن يعيشونها في الحاضر بشكل مختلف)، فإن تاريخنا المشترك أكثر تعقيدا وأقل أحادية مما تعكسه تقاليدنا الشعبية وعلاقتنا المتعالمة.

والكلمات تكون أحيانا ناضبة المعاني التاريخية وتستحق النظر والتأمل الحذِر. فالتفسير اللساني لا يشي على الدوام بأصل الكلمات ولا بتطورها. وإن مسألة من هذا النوع لتتطلب غالبا الأخذ بآراء علماء الأجناس البشرية (الأنتربلوجيين)والمؤرخين وعلماء الآثار والفقهاء والعارفين بتقاليد الشعوب.

من م. س. إلى ع.س.ب.

لقد قلتم خلافا لما يؤكده م. س... إن للغة الولفية علاماتٍ للجنس (وذلك ما يشي بمستوى معرفتكم للبولارية وللولفية من الناحية اللسانية وبقيمة الحُجج والبراهين والاعتراضات التي أوردتم في مجال تحليل أصل ومدلول كلمة "تباتو" الذيْن برهنتُ عليهما بحُجج دامغة خلافا لما أوردتم).

أنا آسف، ولكن زيادة "كي" ليست مطلقا علامة نسبة إلى جنس ، بل هي "محدد" (أداة تعريف)، وهنا يكمُن الفارق بين الولفية والبولارية. ذلك أن لغة الولوف، خلافا للبولارية، لم تحتفظ في صيغها الصرفية الاسمية الحالية بعلامات للنسبة إلى الجنس. وتركيب الصيغة الاسمية في البولارية يمَكّن من التمييز بين مادة أو جذرٍ الكلمة وبين علامة النسبة إلى جنسها، مثلا : "ياه + ري"، "ندْ + وُو"، "ليوْ + رو" ، "ابلي + اندي".
أما في الولفية فلا يوجد سوى جذر الكلمة : "نيت" الإنسان، "كاراب" شجرة ، "موص" قط ، "بور" ملك ، "ناك" بقرة ، "امبام" حمار ، "بتْ" العين ، "فاص" الحصان، إلخ....
و يعني ذلك أن الولفية بالمقارنة مع البولارية ليست لها علامات نسبة إلى الجنس ( وأتحداكم أن تجدوا كلمة واحدة تثبت العكس).

وهذا الفرق بين الولفية والبولارية جوهري لأن الصرف عامل أساسي في فهم وشرح العلاقات النحوية التي تربط علامات النسبة إلى الجنس والكلمات العادية الدالة على الأسماء. وبذلك تكون "ري" في "ياه + ري" علامة نسبة إلى الجنس يمكن أن يدخل عليها "المحدد" (أو أداة التعريف) "اندي"، "ندْ + وُو"، "ليوْ + رو" ، "ابلي + اندي"، (مثال ذلك "ياه + ري اندي"). وفي "يم + بي" تكون علامة النسبة إلى الجنس هي "بي" ("يم + بي بي"). والأمر مختلف بالنسبة للولفية حيث الاسم "نيت" لا يتوفر على علامة نسبة إلى الجنس تُمَكن من تفسير وجود "المحدد" (أو أداة التعريف) "كي" كما هي الحال بالنسبة لـ"كاراب (جي)" و"امبام (مي)" ، إلخ...

ولو كنتم تتحرّوْن الدقة والإفادة في منهجكم للتفسير وإيراد الحجج، لكان أولى أن تحاولوا أولا فهم أبسط قواعد البولارية والولفية قبل أن تندفعوا بلا جدوى في وضع افتراضات لا تفيد النقاش ولا تغني شيئا عن موضوعه ، وقبل أن تؤسسوا آراءكم على معارف لسانية جد تقريبية. وعلى كل حال لم يمنعكم ذلك من التطاول إلى مرتبة الأهلية لتلقين الدروس. وأقول ذلك دون أدنى ذرة من التعالي وليس في نفسي أي أثر للنقمة.

كما عزوْتم لي القول بظاهرة الإبدال في الولفية بخصوص كلمة "سفار" ولم أقل ذلك مطلقا بل لو قلته لكان تناقضا صريحا لأنه لا وجود لإلحاق علامات النسبة في هذه اللغة. إلا أن عبارة "سفار" بعدما دخلت إلى البولارية وامتزجت بصيغها الصرفية خضعت للإبدال لاسيما في نهايتها بسبب وجود علامات النسبة إلى الجنس (بي ، وُو، إيي) : "سف + آ(ل) + بي" ؛ "تب + آ(ت) + وُو" ؛ "تب + آ(ت) + وُو + جي ".

وتثبت ظاهرة الإبدال هذه، التي لا تدركونها، صفة كلمتي "سف + آ(ل) + بي" ؛ "تب + آ(ت) + وُو"، حيث يوجد إبدال بين اللام و التاء وذلك يعزز فرضية "سف + آ(ل) + بي" و"تب + آ(ت) + وُو" (ولست هنا أفرض أي شيء إنما أحلل الموجود من الظواهر اللغوية).

والتحليل اللغوي الذي اقترحته مقبول حتى لو كان الاختلاف في التأويل أمرٌ طبيعيٌ. ولا توجد حجة تقوَّض (حسب عبارتكم)، إنما هي معارف مشتركة يتم جمعها وإشاعتها بين الجميع. وذلك فيما أراه هدف هذا المنتدى الذي يسعى إلى توحيد النوايا الحسنة وتداول المعلومات والمشاركات كالتي كان لها دور في إثراء هذا الموضوع. وكل ذلك بهدف العمل على تقدُّم لغةٍ عزيزة علينا جميعا ، يشارك كلٌّ في ترقيتها حسب اختصاصه ومجال اهتمامه، ونسعى في ذلك إلى التكامل مع الحرص على الانفتاح وسعة الباع (ومثلِها من الأمور التي لا تدَرّس ولكن تكتسب ويُنَمِّيها الفرد).

من ع.س.ب. إلى م. س.

أنا أعترف لك صراحة بالجميل على ما لقنتني من دروس لسانية مفيدة. وأعترف بكل تواضع أن زادي المعرفي من هذه المادة ضئيل، كما ذكرتم بحسن نية ، وأنه من الخطر الإبحار في لجة المجهول.
لكنني، مع الأسف، طاعن في السن بحيث يتعذر علي امتثال النصائح الحكيمة التي تفضلتم بها حين قلتم إنه كان أولى بي أن أحاول » أولا فهم ابسط قواعد البولارية والولفية قبل...« أن أندفع » بلا جدوى في وضع افتراضات لا تغني شيئا ولا تفيد موضوع النقاش« و قبل أن أسّسَ رأيي » على معارف لسانية جد تقريبية « . وهذه أحكام قاسية لا أرى لها نفعا، لكن لا تثْريب عليكم، لأنها سليمة وبالتالي مستحقة.

إلا أن ضآلة زادي المعرفي في مجال اللسانيات لا يُنهِي النقاش ولا يحسمه. ويبدو لي أنكم لم تفهموا معنى مداخلتي (أو تجاهلتموه) لأنكم بتركيزكم على جهلي لعلم اللسانيات تغضون الطرف عن جوهر المسألة وتهملون بعض التفاصيل الهامة.

أما فيما يخص التفاصيل فإن ظُلمة جهلي تحتاج إلى أنوار معارفكم الساطعة. وإذا كانت الولفية لا تتوفر إلا على جذر الكلمة ، كما تقولون، كان أوْلَى لكم أن تضيفوا كلمة "سفارا" (النار) إلى لائحة الكلمات التي حلّلتم لتُبيِّنوا لنا كيف ضاع من جذر هذا اللفظ المدُّ أو الصوت الذي كان في نهايته ليتحول إلى "سفارْ" التي تعزز شواهدكم.

ولن أتطرق إلى تقييم صحة الخبر المتعلق بما تجزمون به من قرابة بين النار و"البيضان". لربما كانت العلاقة صحيحة. وحين تثبتون ذلك، دون اللجوء إلى اختلاق شواهد تاريخية – لسانية، فإنني سأشكُركم، دون تردد وبكل سرور، على أن نوّرْتم ظلام جهلي ووسعتم دائرة معارفي.

لكن ما أشك فيه هي الأسس والقواعد التي بنيتم عليها ما توردونها من حجج وبراهين، لأنها غير مقنعة وقابلة للأخذ والرد. وهذه الأسس لسانية بالدرجة الأولى لكنها تنقلنا إلى صميم الأبعاد التاريخية والأنتربولوجية وإلى فقه اللغة من نحو وصرف وبلاغة وغيرها. ولست بمنزلة من يمكن أن يخيفكم في هذه المجالات فلست مؤرخا ولا نحويا ولا غير ذلك ، لكن سأحاول، مهما شحت معارفي، أن أبذل جهدي لإثراء الحوار. 

إن ضرورة توضيح المنطلقات والمفاهيم في هذا النقاش تحتاج إلى التمييز بين "الهلبولارنْ" و"الفوتاكوبي". وهذان اللفظان إذا كانا متقاربين في الدلالة فليسا مطلقا مرادفين.

في المجال الذي نهْتمُّ به، تعني "الهالبولارنْ"، بإيجاز شديد، كل الناطقين باللغة البولارية. أما عبارة "الفوتانكي" و"الفوتاكوبي" فهي ذات أبعاد أساسية، أولها زمني حيث أن تاريخ ظهور اسم "فوتا" محدد زمانا، إذ لم يطلق على البلد إلا بعد قيام مملكة "الدنيانكى" ( في مطلع أو منتصف القرن الخامس عشر). وأول أسمائه المعروفة هو بلاد التكرور (مملكة "جاهْ أوكو" و"المانيين").

أما البعد الثاني فأنتربُلوجي : "الفوتاكوبي" قومية تأسست تاريخيا وتشكلت من أغلبية كبيرة من "الهلبولارنْ" ومن أقليات ذات شأن تضم "المانيين" (وهم حسب بعض المصادر من السوماريين) ومن "الولُوف" و... "البيضان".

ثم تقولون إن أصل كلمة "تباتو" لغوي وربما كانت دخيلة من الولفية "سفارْ" التي تعني النار. (...) وهذه التسمية حسب زعمكم » مرتبطة بممارسات النهب الكثيرة التي كان "البيضان" يرتكبونها ضد سكان فوتا حين كانوا يشعلون النار في المساكن وفي السهول المزروعة« .

ولعلكم تعرفون مثلي التعبير الشائع عند البولار : "أبوُّلو آراني، "تباتو آراني " (أي لم يدخل علينا فلّاني و لم يدخل علينا بيضاني) وهو تعبير ظريف نسوقه كلما ضاع أو اختفى أحدُ أشيائنا بشكل غريب.

وهذا التعبير يحتمل أن يحيل حسب بعض الناس (وهنا أتوخى الحذر) إلى هجمات النهب التي يقوم بها "البيضان" القادمون من الشمال و"الروكَووجي فولبي" القادمون من الجنوب، الذين كانوا يجتاحون منطقة "فوتا" في فترة الحصاد.

وهكذا أصبحتُ الآن بفضلكم أعرف أنه إذا كان أخوالي من جماعة "كاهْ" في منطقة "فيرلو" يسمّوْن "انجنْجلْبي" فلأنهم على غرار تسمية "البيضان" كانوا يحرقون السهول بالنار. لكن لم يطلق عليهم مِثْلَ "البيضان" اسم "سفارْ" (النار بلغة الولوف) بل اختير لهم اسم بولاري ذو نقاء عرقي لا مراء فيه هو "انجنْجلْبي" القريب من لفظ "انجيجول" ( الذي يعني النار بلغة الفلان).

فهل كان "البيضان" ينظمون هجمات نهب على ضفة نهر السينغال؟ نعم، لا شك في ذلك. هل انفردوا بهذه الممارسات؟ كل الدلائل تشير إلى نفي ذلك. وهل يمكن للعلاقات بين "البيضان" والمجموعات الزنجية الإفريقية أن تنحصر في دوام النهب وإشعال النار في الحقول ومساكن المنهوبين المستسلمين؟ لا، بالتأكيد ! بل هل يعود أصل كلمة "تباتو" إلى ماضي الناهبين مشعلي النار؟.

لمثل هذا السؤال تعطون جوابا لا لُبس فيه، حين تنأوْن عن استخدام العبارات التي تفيد الاحتمال والإمكان وتتوخون ما يدل على الجزم والقطع : » أما "الفوتاكوبي" فيمثِّلُ "البيضان" في تصورهم شعبا ذا ارتباط بالنار "سَفَارْ" ويُعرّفونه بها« .
.(…)

هل كان "الفوتانكوبي" من "سوانك" و"ولوف" و"بيضان" يستخدمون التسمية ذاتها ؟ وهل كانوا يستعملون في لغاتهم عبارة "تباتو" و "سفارْ"؟ 
إذا لم يكن من السهل تحديد تاريخ نشأة تَصَوُّرِ عند جماعةٍ ما، فمن الممكن تقدير فترة ظهوره وتبلوره، أو على الأقل، تقفي آثارها في فضاء الذاكرة الثقافية للشعوب، بحيث يمكن تتبّع الأمثال والحكايات والأساطير والأحكام لرصد عبارة (أو أكثر) تؤكد هذا التصور وتثبت ما نحن بصدده من ربط العلاقة بين "سفارا" الولفية و"تباتو" البولارية.

لا مراء في أن البولارية تتوفر على عبارات استهجان ذات دلالات سلبية أو قادحة للبيضان مثل : "هول تباتو، هول هور وندو" و"تباتو وُونا جيدو"، إلخ... (ولا شك أنه في المقابل توجد في كلام "البيضان" عبارات مماثلة في وصف "لكور" و"إفلان" على وجه الخصوص). ولست أعرف (ولا غرابة في ذلك لضيق مجالي المعرفي) أي عبارة بولارية تُحيل إلى نار نهب "البيضان"، لكن ربما كنتم تعرفونها أنتم ؟

ولقد شابت عيوبٌ كثيرة صياغتَكم لتصور أو لتمثل "الفوتانكوني" لـ"لبيضان" أولها إنكار تعدد الأعراق والألسن في فوتا وعند "الفوتانكوبي".
(…)

 

يتواصل


عودة للصفحة الرئيسية