الانتخابات القبلية

ملاحظة : نشرتها يوم الاثنين الموافق ل 18/11/2013 و اعيد نشرها دون إضافة أو حذف لان دار لقمان ما زالت على حالها

الخميس 27-07-2017| 16:00

عبدو سيدي محمد / باحث

سبق ان كنت في زيارة عمل لدولة انجلوفونية و مررت بمركز إداري كبير يتبع له قرى بكثافة سكانية تفوق 8 ملايين ولفت انتباهي الهدوء التام خلال فترة أوج الحملات الانتخابية و الدعائية وعند السؤال عن السبب كان الجواب غريبا اتفق السكان على مقاطعة الانتخابات النيابية و تحريم اي نوع من الدعاية او الترشح على كافة امتداد الحيز الجغرافي للمركز الإداري الا بثلاثة شروط هي :
1 / توفير الماء و الكهرباء لكافة السكان
2 / توسيع المدارس لتشمل جميع القرى لضمان عدم سفر التلاميذ للدراسة خارج قراهم
3 / ربط القرى بطريق معبد
وبعد فترة زمنية رجعت و لم استطيع تمييز المكان وعندما سالت السائق ضحك و قال لي هذا المركز الإداري المقاطع وقد تنافس المرشحون و تم انجاز أكثر من 90 في المائة من الطلبات.
وهنا و حفاظا على اللباقة و الاتيكيت لن اسقط هذه الصورة على ما يجري هذه الأيام و بالتأكيد انأ لست ضد الحكومة ولا مع المعارضة المشاركة او المقاطعة و لكنني مواطن أتقدم باسم العاصمة والعاصمة فقط لتحقيق أي شرط من الشروط الثلاثة و في حالة الاستحالة أضيف طلب رابع هو تنظيف المدينة من القمامة و الأوساخ و البرك الراكدة و الجامدة.
لا شك إنني أغرد خارج السرب لان لا شئ سوف يتحقق من الشروط لان الطابع القبلي و الفئوي و الطائفي و الجهوي و العصبي هو شعارات الحملة الانتخابية و كل حزب أي بالمفهوم الجمعوي و ليس السياسي يرقص على نغم فارس القبيلة و ما نراه الآن هو حلقة من حلقات مسلسل جاهلي لأمجاد و أولاد و شعراء وفرسان الحي.
وللأسف الشديد القبيلة و الجهة صارت وسيلة ضغط ناجحة في الانتخابات فهي مصدر توزيع الغنيمة من التعيينات و الترقيات و البريستيج الاجتماعي و نحن على مشارف الاحتفال بالذكرى 53 لعيد الاستقلال الوطني ننظر و نقارن أين صرنا و كيف أصبحنا ؟
53 سنة من تجسيد و تعظيم و تفخيم الذات و في الواقع لا شئ على الأرض سوى إننا دولة نصنف تصنيفا غريبا و مضحكا و متناقضا فنحن نتأرجح بين الرتبة الأولى و الأخيرة عالميا فنحن نمتلك أطول قطار في العالم و أغنى مناجم المعادن في العالم و أطول شاطئ و أجود أنواع الأسماك و الرخويات و هلم جرا في العالم و لدينا أراضي جغرافية شاسعة و ثروة حيوانية هائلة و ارض خصبة و ... الخ ورغم ذلك نحن نصنف من أفقر دول العالم و أعلاها نسبة في الأمية و الفساد و الرشوة و الاستغلال الممنهج لثرواتنا البحرية و البرية و المعدنية
ونحن من أكثر الدول التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي و الانقلابات وضعف و انعدام البنى التحتية من مدارس و مستشفيات و طرق ونحن من أكثر الدول غلاءا في المعيشة بالخصوص اللحوم و الأسماك و الألبان ... ولا شك ان كل المرشحين السابقين و اللاحقين على دراية تامة بما ذكرت و بل قد تكون لديهم معلومات أوفر و أدق مما لدي لكن الظروف القبلية المحيطة تفرض على الفارس خوض غمار الانتخابات ليس حبا في الوطن او المواطن و لكن لحاجة في نفس القبيلة ..... عندما ينظر أي مرشح إلى نظرات البؤساء في الأحياء القصديرية و البوادي و إلى آهات المرضى و المحرومين و المهمشين و عندما ينظر إلى عرق العمال في الشركات الأجنبية و ترف الأجانب عندما ينظر إلى الشوارع و الأوساخ و الطرق و فواتير الكهرباء المرتفعة سوف بدون أدنى شك يرى حجم المسؤولية و جسامة المهمة و إلا سوف يكون صورة طبق الأصل مكررة تؤكد ما يقوله العالم عنا .
أن الكم الهائل للأحزاب يذكرني بالتراخيص المجانية للمدارس الحرة و الصحف و الجرائد و المؤسسات الوهمية أن الواقع هو نبض الشارع والحقيقة هي رؤية الآخر و ليس الرؤية الوردية داخل الصالونات الفخمة و الموائد المتخمة .... ان الواقع يفرض التغيير نحو الأحسن و الأفضل مع الحفاظ على الجانب القبلي من الناحية الاجتماعية و صلة الرحم .... يجب أن نفكر بعقل اليوم و أن نرى بعين المستقبل و على المواطن أن يدرك ان 53 سنة من عمر الدولة كافية لبناء البنى التحتية و جعل المواطن يعيش و يشعر بأهمية الدولة و لكن وللأسف الشديد لا زلنا نعيش عصر الفارس دونكي شوت دا لا مانشا و نصارع الطواحين.....

كل عام و موريتانيا بالف خير

أ.عبدو سيدي محمد / باحث

عودة للصفحة الرئيسية