انفراج في العلاقة بين موريتانيا وغاميا عمر البشير: سأتنحى 2020 وأدعم "أيلا" في انتخابات الرئاسة أول ظهور علني لموغابي بعد سيطرة الجيش على السلطة في زيمبابوي استعراض لتاريخ الحركة الطلابية بأسبوع الدخول الجامعي الثامن الجزائر تتراجع عن قرار منح رخص لتأسيس قنوات تلفزيونية خاصة المغرب: استنفار أمني في مراكش لهذا السبب وزراء يعلقون على نتائج أعمال مجلس الوزراء نتائج اجتماع مجلس الوزراء مشروع قانون يعدل المادة 306 من القانون الجنائي الرئيس عزيز يستقبل قياديا بارزا في جبهة البوليساريو

غثاء الكلام وواهن الفعل

نبني من الأقوال قصرا شامخا ** والفعل دون الشامخات ركامُ

السبت 15-07-2017| 08:30

الولي سيدي هيبه

لا شك أن الموريتانيين بلغوا في فن الكلام شأوا ثمنه كل مهرجان و شيد به في الماضي من قبل الركبان في مشارق و مغارب بعض أرض العرب و الإسلام و في غرب القارة الإفريقية حيث شاركوا في نشر الدين. و هو الميراث الجيد الذي يقتات عليه اليوم بعض المؤرخين و الباحثين و المهتمين من أنتروبولوجيين و علماء اجتماع فيعمرون بعض أوقات فراغهم الكثيرة و يرضون غرورهم المتهاوي أمام اهتمامات الحداثة بالحاضر و التركيز على إعداد المستقبل باعتباره حاضرا عير معلوم.
و قد تغلب علم الكلام، الذي تقمص "الأنظام و الاسجاع" الفقهية تلخيصا لأمهات الكتب الخليلية المالكية و بعده الشعر و قد شغل الجميع، على كل الآداب و الانشغالات الأخرى فلهيا النفوس بأوزانهما و إيقاعاتهما و سحر بيانهما عن كل علم تجريبي تطبيقي آخر يعين على الحياة و مقتضياتها و يصنع الحضارة المادية (هندسة المعمار، قنوات الري، أواني الخزف...) ليتيح رفاهيتها و يستجيب لمتطلبات رغد العيش، حتى تأصلت عادات الكسل و هجر العمل العضلي باعتباره منقصة و شأن الطبقات الدونية التي صنعتها عواتي الظلم و القهر و الكبر.
و بعيدا عن المعارف الحرفية و الصناعية التي توفر المهارات المُغنية و تُتيح المُشارِكةَ بعطائها في حراك البناء العام و رفع معالم الحضارة و ضمان بعض استقلالية الأمة (قماش، تعدين أولي، خزف) فقد انقسم الموريتانيون إلى :
- مهتمين بالعلوم الدينية دون سواها فمنهم من أخلص و ترك جليل خلف و عظيم بصمة و بال أثر محمود و منهم من أعان على غيره بتكريس مظاهر ظلم و تشريع حالات غبن و تهميش و إذلال،
- و محترفين فن الكلام شعرا فصيحا و لهجيا يجوبون الأرض كـ"اتروبادور اليونان القديمة" حاملين على ألسنتهم النارية لغة الفخر و المدح و التحريض و الملاحم التي مسرحها القبائل و الأمصار يشجعون على الكسل و يدفعون إلى الجور و هم يتغافلون. و إن احتراف الشعر ملاذ آمن من صولة الأقوياء من أهل المعرفة و أهل الصولة و موجب مضمون للحصول به على المال و الحماية و الاحترام.
- و مهتمين لاحقا بالسياسة ظهروا بعد مقدم الاستعمار و إطلاقه أول شرارة لها و إعداد النفوس المضطربة لخوض غمارها ـ لحسابات خطأته سريعا فيها عقليةُ "السيبة" العاتية ـ بفائض الكلام دون العمل الميداني، الأمر الذي أكسب هذا الدخيل ثوبا باليا تخيطه على ضعف لغةُ الخشب الموروثة عن تراكمات الماضي و ضرورة مجابهة معطيات الحاضر التي تحاربه في مجملها.
و هو ذات الواقع الذي ما زال يحكم مسار البلد المتدني في عصر الإعجاز التكنولوجي و الوعي الإنساني المتحرر من اعتبارات العصور الظلامية فلا :
· أهل الكلام، في شتى العلوم الإنسانية و قد غصت بهم كل مؤسسات البلاد، حولوا علومهم النظرية هذه إلى تطبيقات "توعوية" بأهمية العلوم الهندسية و التكنولوجية و توجيهية إلى ضرورة الاحتراف و الابتكار و التصنيع و التحويل و العمل بالسواعد و الحساب و الحواسب و امتلاك ناصية التقنيات في الميادين الصاخبة بأصوات المعاول الكهربائية و المحركات المصنوعة لكل التطبيقات،
· و لا أهل القوافي سلكوا بالشعر نهج الشعراء الذين وضعوا شعرهم السائغ في خدمة محاربة الظلامية الارتكاس الفكري (أحمد شقي) و كسر قيود التخلف الأدبي (ميخائيل نعيمة) و رفع شأن العلم (معروف الرصافي) و اللغة العربية (حافظ إبراهيم) و غيرهم الكثر من أهل الحرف النير الذين شاركوا في كل مادين التقدم بأقلامهم المتقدة و في جميع ميادين التحرر من التبعية و التخلف مساهمين بحضور لافت في توجيه شعوبهم إلى بناء أوطانها،
· و لا أهل السياسة صنعوا خطابا وطنيا تنطلق ثوابته من أصالة البلد و خصوصياته و أبعاده التاريخية و الاجتماعية و الإستراتيجية و لا كذلك من ضرورة استغلال و ترشيد ثرواته الطبيعية الهائلة في تنوع نادر و كبير، و لا هم انتفعوا بما تأثروا به من منهجيات العالم التحررية و إيديولوجياته الوطنية البناءة حتى باتوا أشبه بالغراب الذي نسي مشيته بعدما لم يحسن محاكاة مشية الحبارى.
و لا يضاهي ضعف المشهد الثقافي و غياب العطاء العلمي و ركود عملية البناء المتعثرة منذ الاستقلال لا يضاهيه إلا ما يكون من عبثية المشهد السياسي و انحدار مستوى الفاعلين إلى الحضيض في غياب البدائل لمر الواقع و شدة الضوضاء العقيمة القائمة على خلفية فوضى عارمة لا منطلق مدرك لها و منتهى منتظر معلوم.
فمتى نكف عن الثرثرة الغير مصنفة و نقلص قاموس الكلام إلى ما يفي بعمل البناء من المفردات المشحونة بسيميائية "الهمة" مثلما فعل الفيتناميون أيام الثورة و التحرر و ما بعدهما، و حتى ما خرجوا من عنق الزاجة و أدركوا "النمور" من حولهم أعادوا كتابة لغتهم و صقلوا حرفها و جمعوا مفرداتها و انطلقوا في رحاب العلوم التجريبية و الإنسانية فعمروا كل بؤر الخواء التي كان يحشوها التخلف و الظلامية و الكسل و غياب مفهوم الوطن الجامع المانع؟


عودة للصفحة الرئيسية