رُويدَكَ لا يخدعنْك الربيع...

الخميس 29-06-2017| 16:00

خالد ولد الداه

وصحوُ الفَضاءِ، وضوءُ الصباحْ

ففي الأفُق الرحب هولُ الظلام... وقصفُ الرُّعودِ، وعَصْفُ الرِّياحْ

اخترت أبياتا للشابي، بعد اتخاذ قطر و آلتها الإعلامية المدمرة الجزيرة من كلمات الشاعر التونسي الكبير شعارا لحملة الخراب التي بدأتها منذ ما يزيد على عقدين، تغنت في ختامها حناجر إعلامييها بقول أبي القاسم :

إذا الشعب يوما أراد الحياة... فلابد أن يستجيب القدر

و لابد لليل أن ينجلي... ولا بد للقيد أن ينكسر

أخرجت الأبيات عن سياقها، لكن من خلف إنتاجا أدبيا نفيسا كشاعرنا لن يعجزه رد الصائلين، فكأني به يخاطب تميما زجرا "لا يغرنك الربيع الزائف و انفراد شبكتك الإعلامية بفضاء المواطن العربي" الذي تعبه صباحا أكواب سم زعاف، و تمسي إليه بحصاد كله أشواك. حذر الشابي تميما لكنه للأسف لم يكن ذواقة للشعر فعصفت به الحزم عصفا.

استهل شاعرنا قصيدته قائلا :

ألا أيها الظَّالمُ المستبدُ... حَبيبُ الظَّلامِ، عَدوُّ الحياة

سَخرْتَ بأنّاتِ شَعْبٍ ضَعيفٍ... وكفُّكَ مخضبة ُ من دِماهُ

نعم ظلم حمد و أظلمت الجزيرة الفضاء العربي بدخان الفتن و الحروب، أزهقت أرواح الأطفال و الشيوخ، تلذذ أمراء قطر بأنات و آهات الأرامل و اليتامى، احمرت أيديهم من دماء المسلمين، اليوم تكفهر وجوهكم و تغرب شمسكم القانية.

حذارِ فتحت الرّمادِ اللهيبُ... ومَن يَبْذُرِ الشَّوكَ يَجْنِ الجراحْ

بالفعل بذرت قطر للشوك و غاصت في الرماد، فكان حصادها الجراح التي لن تندمل. الآن أصبح ماؤكم غورا، و سرعان ما تجف أغصان دوحة العملاء التائهين و تتساقط أوراقها، فمن أين لك يا تميم بورقة توت، هذا مآل من يرث حمد، لا شك لسان حالك يردد "ضيعني صغيرا و حملني دماء المسلمين كبيرا" تذكر جيدا "ما كل بيضاء شحمة" ففي الصيف ضيعت اللبن. 

أوغلت قطر بعيدا في إثارة الحساسيات العرقية و الطائفية في أكثر من دولة عربية، جدت و اجتهدت قصد قلب أنظمة الحكم فيها، و وفقت في مسعاها إلى حد كبير. أذلت قطرالشعب التونسي جاعلة المنصف المرزوقي خريج مدرسة الاتجاه المعاكس رئيسا عليه، كما شاءت الأقدار أن تمكن للدرويش محمد مرسي العياط في قيادة أم الدنيا. استطاعت دولة قطر المنسية جغرافيا و المهملة دموغرافيا إثارة فوضى عارمة في بلاد العرب، روجت لكل ما ينال منهم في حين مجدت الترك و صنمهم رجب طيب أردوغان، نصبته إله و هو الذي يؤكد في جميع المناسبات على علمانية تركيا و متانة علاقاتها مع الكيان الصهيوني، كل ذلك هجاء للزعامات العربية التي لم تجالس اليهود يوما و تبادلهم العداء علانية.

قطر حالفت أعداء العرب كافة، أفسحت إعلامها لتضخيم الأقزام، مكنت لهم من خلال إطلالات مشبوهة على المشاهد، صورتهم أبطالا حماة للحوزة و العرق و المعتقد. و لا أدل على ما تضمر قطر من دعمها انقلاب حركة حماس على الشرعية في غزة، و تعميق الشرخ بين الأشقاء في فلسطين، مصورة الحركة الأعرق و الأكثر صمودا في مواجهةالصهاينة "عميلة متولية يوم الزحف" فضلا عن موقفها من جماعة الإخوان المسلمينالمحظورة في مصر.

إن التحامل على الرئيس ولد عبد العزيز و التهجم على وزيره الدكتور إسلكو ولد أحمد إيزيد بيه، وهما بقرار قطع العلاقة مع قطر "الأوفى من السموأل و الحارث ابن عباد" غير وارد ممن يتصف بالمروءة و كرامة النفس. ولد عبد العزيز أراد مناهل بعيدة عنالصهاينة، فهدم سفارتهم لكن مشوار الألف ميل بدايته خطوة و ببيان الخارجية تقاربموريتانيا نهاية مسار فك الارتباط بطابور إسرائيل الخامس. ما الذي يتوقع من بلادنا التي أشاد الجميع بمحاربتها الإرهاب و الغلو، صدحت بذلك حناجر القادة العرب و الأعاجم، و سال حبر الخبراء الدارسين تنويها بجهودها، فهل يليق بمن كانت تلك سيرتها و الاعتدال سمعتها؟ السكوت على المحرقة القطرية التي فاقت بشاعة الأخدود و الهولوكوست. الرئيس ولد عبد العزيز بحكمته و حنكة وزيره ترصد رأس الأفعى حتى أينع فقطفه، كيف لا؟ و هو يوكل حقيبة الشؤون الخارجية لوزير لو كان لزاما علينا تشبيهه لأقرناه بنظام الملك السلجوقي الطوسي، الذي عرف بالعلم و الدراية و الإخلاص، و لعب دورا بارزا في إرساء دعائم الدولة الإسلامية برعايته للعلم و العلماء و تأسيس المدارس النظامية،فكان مرشدا للألب أرسلان و من بعده ملك شاه.

الوزير الدكتور برع في استنطاق المعطيات ، حين توقع توصل الولايات المتحدة الأمريكيةلمقاربة تحترم الثقافات الكبرى و في طليعتها الإسلامية العربية، فرغم كل ما روج عند تولي ترامب، بادر الرئيس الأمريكي إلى الاجتماع بالقادة العرب، اعترافا لهم بالمحورية لتوقع الاتفاقيات تحت شعار "ولى عهد أوباما" الذي أطلق لقطر الحبل على الغارب فعاثت في أرض العرب فسادا بمباركة من اللوبي الصهيوني. وزير تمتزج في شخصيته خبرةالفضل ابن سهل و حكمة القاضي الفاضل، ولد إيزيد بيه لابد أن يناله الضيم الكثير من تجار الكلمة و أشباه المثقفين ممن تكونوا و تخرجوا ثم تمرسوا على ذمة الجزيرة.

خالد ولد الداه

عودة للصفحة الرئيسية