الأزمة الخليجية الأسباب وفرص التسوية

الأربعاء 14-06-2017| 00:14

أحمد سالم المصطفى الفايدة

لم تعدم المنطقة العربية يوما أزمة من الأزمات فمنذ زرع الكيان الصهيوني في خاصرة الأمة الاسلامية وهي تشهد الكثير من التجاذبات والأزمات والتي تحولت في بعض الأحيان إلى صراعات وحروب تأخذ تارة طابعا استراتيجيا وتارة طائفيا وتتعدد الأسباب بتعدد الظروف والحيثيات.
حيث تعتبر منطقة الخليج إحدى المناطق المهمة في العالمين العربي والاسلامي وإحدى أكثر مناطق العالم أهمية وحساسية لكونها ذات تأثير كبير في استقرار الشرق الأوسط مما جعلها موضع اهتمام من قبل القوى الكبرى في الساحة الدولية فبالإضافة لكونها منطقة تضم دولا تشترك في الكثير من الخصائص والمقومات وتتألف من مجتمعات عشائرية يجمع بينها أواصر القرب والنسب والسمت واللهجات فهي أيضا تعتبر من أكثر دول العالم ثراء ورخاء فالمنطقة تسبح على مخزونات هائلة من النفط والغاز وتعتبر الشريان الرئيسي للعالم للتزود بالطاقة إضافة إلى كونها تقع بين الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي وهي بهذا تعتبر ذات موقع استراتيجي مهم للغاية من ناحية التجارة الدولية والتبادلات التجارية المختلفة .
وقد شهد الخليج على مدى عقود منصرمة أتون حربين كبيرتين تمثلت أولاهما في الحرب العراقية الإيرانية والتي شكلت نواة لعداءات لم تزل المنطقة تدفع ثمنها إلى يومنا هذا. وتمثلت الثانية في الغزو العراقي للكويت والذي اعتبر عدوانا عراقيا على دولة عربية شقيقة مما دفع بدول العالم للتدخل العسكري من أجل إنهاء الوضع القائم وكبح جماح العراق آنذاك والتي باتت تعتبر دولة مارقة من قبل النظام الدولي ودولة ذات أطماع توسعية من قبل جيرانها في الخليج وهو ما تم بالفعل حيث انسحبت القوات العراقية بعد انتصار الولايات المتحدة وحلفائها العرب والغربيين لتنتهي بذلك تلك الأزمة التي خلقت اصطفافا عربيا بين داعم لصدام حسين ومنتصر لحق الكويت في استعادة استقرارها وأرضها.
وقد انتبهت دول المنطقة إلى ضرورة تعزيز مجلس التعاون الخليجي والذي شكل الكيان السياسي والاقتصادي لدول المنطقة من أجل التوحد في القرار السياسي والتضامن في وجه الصدمات الاقتصادية التي قد تعصف بأي منطقة من مناطق العالم وقد ظل إلى وقت قريب يعتبر مثالا يحتذى به في إطار التعاون العربي المشترك ووصل في لحظة من اللحظات لطرح مشروع التكامل الاقتصادي بين دوله وإنشاء العملة الخليجية الموحدة وهو إن دل على شيء إنما يدل على النسق التوافقي الذي ظل سائدا بين قادة المنطقة.
ومن هنا تبرز أهمية النظر إلى الأزمة المستجدة في الخليج فما الذي حدث في المنطقة بين ليلة وضحاها؟ حتى تقوم ثلاث دول شقيقة بفرض حصار بري وبحري وجوي على إحدى دول المجلس ذلك الإجراء الذي طالما تمنت الشعوب العربية لو أن مثله فرض على الكيان الصهيوني الغاصب للأرض العربية والاسلامية.
ترى ماهي الاسباب وماهي الدوافع وهل هناك فرصة للخروج من عنق الزجاجة؟
لقد تم فرض حصار على دولة قطر من قبل أشقائها الخليجيين والمتمثلين في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين وهم الدول المحيطة بها جغرافيا من جهاتها الثلاث حيث يربطها ممر بري وحيد مع المملكة العربية السعودية أكبر دول الخليج ثقلا ومساحة كما تربطها ممرات بحرية مع الدوليتين الأخريين وهو إجراء يرقى في الأعراف السياسية إلى درجة إعلان حرب.
وتعتبر قطر دولة صغيرة جغرافيا ولا يتجاوز سكانها الخمسمائة ألف إلا أنها دولة من أكثر دول العالم نسبة لدخل الفرد وهي بفضل السياسات الاقتصادية الرشيدة تشهد نموا متسارعا في شتى المجالات حيث يعتبر معدل النمو الاقتصادي لها في السنوات الأخيرة في حدود 11% بالإضافة إلى كونها الأولى عربيا في جودة التعليم وأكثرا دول الخليج انفتاحا وحرية.
فقد شكلت قناة الجزيرة القطرية ثورة في عالم الاعلام العربي والعالمي في غضون عقدين من الزمان ساهمت من خلالها في رفع قطر من دولة هامشية إلى أكثر الدول العربية حضورا في المشهد الدولي مما مكن الدولة القطرية بعدها من لعب دور إقليمي ومن المساهمة في حل الكثير من النزاعات العربية والتوسط في الكثير من الأزمات التي شهدتها المنطقة ووقفت إلى جانب القضايا العادلة للعالم العربي خاصة القضية الفلسطينية وهو ما منحها تعاطف الشعوب العربية وحازت قناة الجزيرة ومن خلالها قطر على ثقة المواطن العربي.
وقد مرت السياسة القطرية والتي اوخذت بها من قبل جيرانها وخاصة المملكة العربية السعودية والامارات بالكثير من التجاذبات إلا أنها لم تصل في مجمل فتراتها إلى حد القطيعة ولكن وصلت إلى حد التضييق على قناة الجزيرة والشكوى للدولة القطرية من الانفتاح الزائد للقناة ونقاشها للمحظور وطرقها للمسكوت عنه في المنطقة وهو ما سبب نواة للخلاف ظلت هامدة منذ إنشاء القناة.
وحين أطل الربيع العربي برأسه ظهرت بوادر الانزعاج السعودي الاماراتي من دولة قطر حيث أنها اتخذت سياسة مغايرة للدولتين اللتين اتهمتا قطر بالانحياز لجماعة الاخوان المسلمين تلك الجماعة التي تثير عندهم الفزع حيث يعتبرانها جماعة تسعى لقلب نظام الحكم في معظم البلاد العربية واستبداله بنظام إسلامي.
ومن أكثر نقاط الخلاف هو النظر إلى الأحداث المصرية ابتداء من ثورة الخامس والعشرين من يناير مرورا بوصول جماعة الاخوان المسلمين للحكم وانتهاء بانقلاب وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي على نظام محمد مرسي.
حيث اعتبرت دولة قطر أن التغيير في مصر هو تغيير انقلابي همجي نتج عنه سقوط الكثير من الضحايا وإسقاط نظام الحكم بقوة السلاح وسجن الكثير من المصرين وإسكات الصوت المخالف وكبت حرية التعبير وإفشال تجربة من تجارب الربيع العربي كان مؤملا فيها النجاح.
بينما ساندت كل من المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة الانقلاب ورأت فيه إنقاذ لمصر من حكم كان سيجر المنطقة إلى ويلات لا تحمد عقباها فناصرتاه بالمواقف ودعمتاه بالمال السياسي هذا بالإضافة إلى الأزمة الليبية بكل تشعباتها ودعم قطر للمجلس الانتقالي المتمثل في حكومة طرابلس بينما تدعم السعودية والامارات ومصر من جهة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر وحكومة طبرق دون نسيان المنزلق السوري الذي تعددت فيه توجهات السياسة الخليجية بتعدد الفصائل المتقاتلة على الارض.
من هنا تبرز نقطة أساسية من أسباب الخلاف الجوهرية في السياسة الخارجية بين قطر وكلتا الدوليتين واللتين شاركهما نظام السيسي بالضرورة في خلافهما السياسي مع دولة قطر بالإضافة إلى البحرين.
وقد تطورت تلك الخلافات في سنة 2014 حين أعلنت كل من الامارات العربية المتحدة ومملكة البحرين سحب سفرائهما من قطر لتشكل بداية منعرج يدفع باتجاه تصدع البيت الخليجي قبل أن تتدخل الوساطة الكويتية ممثلة في مبادرة الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وإعلان إزالة الخلاف وعودة السفراء.
وهو ما يوضح أن تلك الأسباب لم تكن الدافع الحقيقي للأحداث الأخيرة فما هو الدافع إذا نحو تلك الإجراءات التي شكلت صدمة للعالم العربي بعزل دولة شقيقة ؟
لقد شكلت الحملة الانتخابية الامريكية الأخيرة صعودا لصوت الكراهية متمثلا في وصول دونالد اترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة بعد هزيمته للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.
وهو المرشح الذي امتلأت حملاته حقدا وكراهية على العالمين العربي والاسلامي متهما الدول الخليجية بتمويل الارهاب وكونها دول ترفل في نعيم من الثراء وتحظى بحماية الولايات المتحدة دون أن تقدم في سبيل ذلك أي مقابل في حين طالبها بضرورة الدفع للولايات المتحدة حتى تحظى تلك الدول في فترة حكمه بمساندة الولايات المتحدة وتوفير الغطاء السياسي لها.
وهي الرسالة التي استقبلتها تلك الدول ولم تبد في مقابلها أي امتعاض بل إنه في أول زيارة خارجية للولايات المتحدة افتتحها الرئيس الامريكي الجديد للمملكة العربية السعودية التي أرادت بدورها أن تكون مؤتمرا إسلاميا أمريكيا حظي خلاله دونالد اترامب باستقبال بهيج نفض بعده الجيوب الخليجية وخرج بصفقات تصل في مجموع قيمتها لأربع مائة مليار دولار أمريكي تطبيقا للأمر الذي أصدره الرجل في حملته للدول الخليجية.
لقد حرص الرئيس الأمريكي في القمة المذكورة على دعوة الدول العربية إلى اتخاذها خطوات من شأنها القضاء على الإرهاب وأنها لا يجب أن تنتظر الولايات المتحدة لتقوم بالمعركة بالنيابة عنها.
وقد كان أن أول قرار اتخذته الدول المعنية بعد مغادرة اترمب هو فرض الحصار على إحدى دول المجلس نفسه وفرض حصار بري وبحري وجوي عليها. هكذا شكلت تلك الزيارة الدافع الرئيسي لما بات يطلق عليه أزمة الخليج.
كانت ملامحها تزحف لتلك النهاية بخطى حثيثة في الاسبوع الذي تلي زيارة ترامب وذلك بعد إعلان الدوحة اختراق موقع وكالة الأنباء القطرية ونشر تصريحات مكذوبة عن أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وهي التصريحات التي نفتها الدوحة بشدة مؤكدة اختراق الموقع من قبل قراصنة يتبعون لجهة خارجية.
كما دفع نحو تلك النهاية تركيز قناة الجزيرة القطرية على نشر الوثائق المسربة لسفير الامارات العربية المتحدة بواشنطن والتي تحتوي عدة وثائق سرية متعلقة بالمنطقة.
العامل الإيراني
لم تفتأ الدول الخليجية تناصب العداء لإيران منذ ثورة الخميني التي حولت إيران إلى جمهورية إسلامية تحكم عن طريق ولاية الفقيه التي تمنح القدسية للمرشد العام وتمنحه سلطات فوق سلطة الرئيس المنتخب. وتسعى إيران إلى تصدير ثورتها إلى أكثر من بلد إسلامي وهو ما تقف أمامه دول الخليج وتناصب العداء لكل مقترب من إيران هذا بالإضافة إلى تدخل إيران في الكثير من الصراعات العربية خصوصا في سوريا واليمن ولبنان والعراق. وقد صرح متحدث إيراني في وقت سابق مبتهجا لكون إيران تضع يدها على أربع عواصم عربية قاصدا بذلك دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء.
وتتهم دول الخليج دولة قطر كونها تسعى للتقرب من إيران عن طريق اتهامها بلقاءات عقدت بين الطرفين خفية كما تتهمها بتواجد عناصر إيرانية عسكرية في الدوحة.
وهنا يجدر التساؤل هل تلام قطر على نسج علاقات دبلوماسية بإيران بينما تعتبر الامارات العربية المتحدة الشريك الاقتصادي الثاني لإيران وقد وصل التبادل التجاري بين البلدين في السنة الماضية إلى أكثر من ثلاثين مليار دولار ثم أليست الخطوة التي قامت بها الدول الثلاث من شأنها الدفع بالدوحة إلى أحضان المارد الإيراني ليفاخر بضم دولة عربية جديدة لا بل وخليجية أيضا.
وهو تخوف يدفع إليه إعلان إيران بعد إقدام دول الخليج على ما أقدمت عليه باستعدادها لتوفير كافة متطلبات السوق القطرية من مؤونة ومن مواد غذائية قد تستنفد نتيجة الحصار وبفتحها مجالها الجوي والبحري أمام الطائرات والسفن القطرية.
العامل التركي
تعتبر تركيا حليفا استراتيجيا قويا لقطر نظرا لتقاربهما في السياسة الخارجية فيما يخص الأحداث التي تشهدها الساحة العربية ولكون تركيا تدار من قبل حكومة حزب العدالة والتنمية ذو الخلفية الاسلامية والمتأثر بفكر الاخوان المسلمين.
وقد أعلنت الحكومة التركية صراحة وقوفها مع قطر في أزمتها كرد للجميل خاصة إذا علمنا بأن قطر وقفت إلى جانب تركيا إبان محاولة الانقلاب الفاشلة على الرئيس التركي رجب طيب أردكان وقد صادق البرلمان التركي على تدعيم القاعدة التركية بالدوحة بزيادة أفرادها من مائتين إلى خمسة آلاف جندي تركي تحسبا لأي تطور في الأحداث المتسارعة والتي يخشى العثمانيين الجدد أن تتطور إلى درجة صراع مسلح.
أهمية قطر في ميزان العلاقات الدولية
تعتبر قطر ذات أهمية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية فهي تستضيف قاعدة السيلية وهي أكبر القواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة والتي تدار من خلالها معظم التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط فمنها أديرت الحرب على النظام العراقي كما تساهم في الطلعات الجوية الأمريكية ضد تنظيم الدولة في العراق وسوريا .
كما تعتبر قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم وهي بذلك توفر ما نسبته ثلاثون بالمائة من حاجيات العالم للغاز الطبيعي وتملك شركاء اقتصاديين ذا وزن ثقيل في الساحة الدولية ومن شأن عرقلة تبادلاتها الدولية خلق مشاكل في التجارة الدولية وبالتالي التأثير على الاقتصاد العالمي .
فرص الحل
من خلال الطرح الذي تقدم تبرز أهمية قطر كقطب ذا أهمية كبيرة بالنسبة للدول العظمى ومن غير المنطقي أن تأخذ الأزمة بعدا أكبر من حجمها الحالي نتيجة استحالة تحول الأزمة إلى صراع عسكري نظرا لدخول الطرف التركي على الخط كما أن استمرارها قد يعيق مصالح الدول التي تستفيد من التبادل التجاري مع قطر وهو ما سيدفع نحو الضغط على دول الخليج من قبل الولايات المتحدة أو بعض الفاعليين في الساحة الدولية ربما ألمانيا أو روسيا من أجل وضع نهاية للأزمة سواء عن طريق تفاهم داخل البيت الخليجي المتصدع أو عن طريق مبادرات دولية تسرع بعودة المنطقة إلى هدوءها المعهود .

عودة للصفحة الرئيسية