أزمة الخليج: الخاسر الأكبر ؟

هاف بوصت

الخميس 8-06-2017| 15:00

قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في افتتاحيتها الخميس، 7 يونيو/ حزيران 2017، إن الرئيس دونالد ترامب بتغريداته "المتهورة" ورؤيته المُبسَّطة للمصالح الأميركية وضع الأمن القومي الأميركي في خطر، بانحيازه للسعودية وحلفائها الأخيرين لعزل قطر والاستئساد عليها، خاصة أن الدوحة توجد بها أهم القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.

وترى الصحيفة الأميركية أن ترامب وضع الولايات المتحدة في موقفٍ صعب، لا يُمكِّنها من تهدئة التوتُّرات في الشرق الأوسط، بل زاد الأمور تعقيداً بانحيازه جوهرياً لأحد الأطراف في تنافسٍ صغير ضمن إطار تنافسٍ أكبر.

وكانت السعودية والإمارات والبحرين ودول عربية أخرى، إضافة إلى مصر، قد قطعت علاقاتها مع قطر لعددٍ من الأسباب، بعضها بسيط، لكن السبب الأساسي هو تمتُّع قطر بعلاقاتٍ قائمة على المصالح النفطية مع أكبر منافسي تلك الدول السُّنّيّة، إيران، الدولة ذات الأغلبية الشيعية والمنافس الإقليمي القوي للسعودية، بحسب نيويورك تايمز.

وتُعَد إيران فاعلاً سيئاً من وجهة النظر الأميركية في عدة جوانب، إلا أنها تتقاسم كذلك بعض المصالح مع الولايات المتحدة، بما في ذلك الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

ووقعتْ عدة هجمات الاربعاء، 7 يونيو/حزيران، في محيط البرلمان الإيراني، كما استهدف المهاجمون أيضاً ضريح مرشد الثورة الإيرانية آية الله الخميني.

وأوضح ترامب أنَّه لا يسعى إلى أي انفتاحٍ على إيران، وأنَّه ليس لديه أي اهتمام بالبناء على نجاح إدارة أوباما في التوصُّل إلى اتفاقٍ نووي معها. لكن حتى إذا كان هدفه هو عزل إيران، فإنَّ التحالف مع السعودية لمعاقبة قطر يُعَد طريقاً يَضُرُّ بالولايات المتحدة؛ إذ من الممكن أن تحاول إيران التقرب من قطر ودعمها في هذه الأزمة الحرجة، مما سيؤثر بشكل واضح على طبيعة التحالفات في المنطقة، خاصة أن قطر تستضيف القاعدة الأمامية للقيادة المركزية الأمامية، كما تُعَد مركزاً استخباراتياً رئيسياً. كما تستضيف قاعدة العديد الجوية، مع نحو 11 ألفاً من العسكريين الأميركيين ومن قوات التحالف، بحسب ما ترى نيويورك تايمز.

تقول الصحيفة : ليس هناك ما يدل على أنَّ ترامب قد فكَّر حقاً في أيٍ من ذلك. وحتى في الوقت الذي كان مسؤولون أميركيون آخرون يقولون إنَّ الولايات المتحدة ستحاول تهدئة السعوديين لأنَّ القطريين مهمون للغاية للولايات المتحدة، قفز الرئيس إلى تويتر ليُرجِع الفضل لنفسه في إقناع السعودية بالتحرُّك ضد قطر.

وكتب ترامب : "في أثناء رحلتي الأخيرة إلى الشرق الأوسط قلتُ إنَّه لا يمكن أن يكون هناك مزيد من التمويل للأيديولوجية المُتطرِّفة"، مُضيفاً : "وأشار القادة إلى قطر- انظر !". وعزَّز هذه الرسالة في تغريدتين إضافيتَين قائلاً : "من الجيد للغاية رؤية أنَّ زيارتي للسعودية مع الملك و50 دولة تُحقِّق نتائجها. لقد قالوا إنَّهم سيتَّخذون نهجاً مُتشدِّداً بشأن تمويل... الإرهابيين، وكل المؤشِّرات كانت تشير إلى قطر. ربما يكون ذلك هو بداية النهاية لرعب الإرهاب !".

قرارات ترامب السيئة

وتقول نيويورك تايمز : إنَّ قطر، مثلها مثل السعودية، قد تكون شريكاً "مُزعِجاً"، غير أنَّ شكوى السعودية بشأن قطر والإرهاب منافقة. فقد اتُّهِمت قطر طويلاً بإرسال الأسلحة والأموال لجماعاتٍ مُتطرِّفة في سوريا، وليبيا، ودول عربية أخرى، الأمر الذي تنفيه دائماً الدوحة. لكن كذلك اتُّهِمت السعودية أيضاً، وهي حقيقة اختار ترامب، الذي أغراه التملُّق السعودي، أن يتجاهلها. وعوضاً عن ذلك، عمل مع السعودية ضد خصومها المُتصوَّرين- إيران، العدو الرئيسي، وقطر.

وكان المسار الأكثر حكمة سيتمثَّل في السعي إلى توازنٍ بين قطر والسعودية. وكونه لم يسلك هذا المسار إنَّما يُعَد قراراً سيئاً آخر ضمن سلسلةٍ من القرارات السيئة التي أثارت غضب الحلفاء والشركاء.

كما يُعَد هذا توقيتاً سيئاً لاستعداء قطر. ففي ظل بدء حلفاء الولايات المتحدة هجومهم على الرقة، عاصمة داعش في سوريا، تصبح الولايات المتحدة في حاجةٍ لقواعدها.

وقد لعبت دولة قطر دوراً فريداً أيضاً، عبر التوسُّط في الصراعات الإقليمية وممارسة سياسةٍ خارجية مستقلة، ما أغضب السعوديين ودول الخليج الأخرى في بعض الأحيان. فدعمت ثورات الربيع العربي في عام 2011، التي جعلت السعوديين في حالة قلق، وأسَّست شبكة الجزيرة الإخبارية العربية كوسيلةٍ لتوسيع نفوذها.

وقد انخرطت قطر مع مسؤولين إسرائيليين -قبل أن تجمد علاقاتها بإسرائيل بعد حرب غزة عام 2009- بينما استضافت في الوقت نفسه قادة حماس، وسمحت لحركة طالبان الأفغانية بفتح مكتبٍ لها في العاصمة القطرية، الدوحة، وهو المكتب الذي سهَّل المحادثات بين المُسلَّحين والولايات المتحدة.

وكانت السفيرة الأميركية لدى قطر، دانا شل سميث، أعادت إحدى تغريدتها قائلةً : إنَّ قطر قد أحرزت "تقدُّماً حقيقياً" في مكافحة الإرهاب، وأُفيد بأنَّ ذلك يتضمَّن محاكمة أشخاص لتمويلهم جماعاتٍ إرهابية، وتجميد أصول، ووضع ضوابط صارِمة على مصارفها. وأكَّدت وزارة الخارجية الأميركية على أنَّ قطر لا يزال أمامها طريقٌ طويل لتسلكه.

وهناك جدلٌ مستمر حول دعم قطر لجماعاتٍ مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وهي جماعة إسلامية سُنّيّة تراها قطر مثالاً بنَّاءً على "الإسلام السياسي"، لكنَّ السعوديين ينظرون إليها على أنَّها تهديدٌ للحكم الوراثي والأمن الإقليمي، بحسب الصحيفة الأميركية.

وفيما يتعلَّق بإيران، تبنَّت قطر عموماً أرضيةً وسطاً عن طريق دعم جهود الحد من نفوذ إيران الإقليمي، في الوقت الذي تحافظ فيه على محادثاتٍ مع المسؤولين الإيرانيين البارزين. وتمتلك قطر سبباً للعمل مع إيران؛ فهي تتشارك معها حقل غازٍ طبيعي كبيراً في الخليج العربي. وفي الوقت نفسه، تساعد قطر التحالف الذي تقوده السعودية لمحاربة الحوثيين المدعومين إيرانياً في اليمن، كما تدعم معارضين يحاربون حليف إيران في سوريا، بشار الأسد.

قطر أمهر من ترامب

وتقول "نيويورك تايمز"، شيءٌ واحد فقط يبدو واضحاً في كل هذا التعقيد، وهو أنَّ قطر الصغيرة أمهر كثيراً في الدبلوماسية من ترامب. ويبدو أنَّ الرجل الذي روَّج لنفسه على أنَّه عاقِد صفقات يؤمن بدلاً من ذلك بالأضواء الخضراء والشيكات على بياض، مُتسبِّباً في ضررٍ كبير للمصالح الأميركية.

وقال لبروس ريدل، المُحلِّل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA)، والذي كان مسؤولاً بارزاً في إدارة أوباما، لنيويورك تايمز، حتى صفقة الأسلحة التي وقَّعها مع الرياض ذات الـ110 مليارات دولار اتَّضح أنَّها مجرد خيال، أو مجموعة من رسائل الاهتمام أو خطابات النوايا، وليست عقوداً، بدأت جميعها في ظل حكم إدارة أوباما.

ويسلك تشريعاً تعرقل هذه الصفقة مساره في الكونغرس. وكحدٍّ أدنى، يجب أن يرفض المُشرِّعون إعادة تزويد السعوديين بالذخائر دقيقة التوجيه، التي تقتل المدنيين في اليمن، وتُورِّط الولايات المتحدة في العملية. والأفضل من ذلك سيتمثَّل في تعليق الصفقة حتى يدخل السعوديون في مفاوضاتٍ مباشرة بخصوص اليمن، ويسوون خلافاتهم مع قطر.

والإثنين، قطعت السعودية ومصر والإمارات والبحرين العلاقات الدبلوماسية مع قطر، واتهمتها بـ"دعم الإرهاب"، في أسوأ صدع تشهده المنطقة منذ سنوات، بينما لم تقطع الكويت وسلطنة عمان علاقاتهما مع الدوحة.

بينما نفت قطر الاتهامات، وقالت إنها تواجه حملة افتراءات وأكاذيب وصلت حد الفبركة الكاملة، بهدف فرض الوصاية عليها، والضغط عليها لتتنازل عن قرارها الوطني.


عودة للصفحة الرئيسية