هكذا عرفت أحد أعلام السفارة العلمية الشنقيطية

هكذا عرفت أحد أعلام السفارة العلمية الشنقيطية القاضي الإمام بن أكوه

السبت 27-05-2017| 15:38

د / سيدي يحي بن عبد الوهاب . syahia@islam.gov.qa قطر – الدوحة .

غيب المنون في الأسبوع الماضي علما من أعلام شنقيط هو العالم المحقق القاضي الذي يضرب المثل بعدله أيام كان رئيسا لإحدى المحاكم : الإمام بن محمد نافع بن اكوه بن خاتمة الأولياء وقطب ذوي الرسوخ عبد الله بن الأمين، وقد قدرلي أنني كنت أيام وفاته في منطقة لا يصل إليها الإرسال الهاتفي فضلا عن غيره من الوسائل ولم يبلغني نعيه إلا متأخرا .
فأقول من باب قول النبي صلى الله عليه وسلم "اذكروا محاسن موتاكم " ولمن لا يعرف القاضي الإمام بن اكوه : انه الرجل الذي تقلد مرتبة لا أعلم موريتانيا بلغها في دول الخليج العربي ، حيث كان مستشارا في ديوان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله تعالى ، وقبلها تقلد مناصب كثيرة في المحاكم الموريتانية كان آخرها نائبا لرئيس المحكمة العليا إلا أنه في كل ذلك ظل – رحمه الله تعالى - مضرب مثل في التواضع والكرم ولين الجانب لكل من عرفه ، وكل ذلك في صمت وتجاف عن الأضواء وعن صخب الإعلام ، حتى مضى كما مضى عمر بن سعيد بن قتيبة بن مسلم :
مضى ابن سعيد حيث لم يبق مشرق ++ ولا مغرب إلا له فيه مادح
لئن حسنت فيك المراثي وذكرها ++ لقد حسنت من قبل فيك المدائح .
عرفته – رحمه الله تعالى – في منزله الواقع وسط مدينة أبوظبي بجانب شارع النجدة ، ولم يكن كأي بيت ، بل كان كعبة للوافدين والغرباء من مختلف قبائل موريتانيا وجهاتها ،حتى إن الداخل إلى ذلك المنزل قد يعثر في بعض الأحيان من كثرة الأحذية عند المدخل .
لهم حوالي بيته ضجيج ++ كأنهم من كثرة حجيج .
ولم يكن الشيخ رحمه الله يكترث بشيء من ذلك بل إنه يقابل الجميع بالبشر والترحاب ، باذلا لهم كل ما في وسعه من نقود وعروض وجاه ، فتارة يذهب مع هذا إلى وزارة الأوقاف وتارة مع ذلك إلى المحاكم ومع آخرين إلى القيادة العامة للشرطة والجيش ، ثم بعدها يأوي الجميع إلى ذلك المنزل الرحيب الذي يبذ القرى فيه موائد عبد الله بن جدعان التيمي :
وأبيض من بني عمرو بن كعب ++ وهم كالمشرفيات الحداد
له داع بمكة مشمــــــــــــــــــعل ++ وآخر فوق كعبتها ينادي
لكل قبيلة ثبج وهــــــــــــــــــــاد ++ وكنت الرأس يقدم كل هاد .
كان رحمه الله تعالى حريصا على أن لا تفوته تكبيرة الاحرام خلف الإمام ،ولكأني أرمقه الآن وهو يصعد إلى الطابق العلوي من منزله بعد صلاة العشاء ، وما تلبث حتى تسمعه - وقد نصب قدميه في قيام الليل - يتلو كتاب الله تعالى ويجوده بصوت خاشع شجي يقشعر منه جلد من يسمعه .
أخبرني أحد زملائه من رؤساء المحاكم في الإمارات أن ديوان الشيخ زايد رحمه الله لما توجه بطلب إلى الرئاسة الموريتانية يريد أحد القضاة المتميزين لاتخاذه مستشارا قضائيا في الديوان الأميري ،حيث وقع الاختيار على الإمام رحمه الله ،فلما وصل إلى الإمارات وقابله الشيخ زايد رحمهما الله تعالى ، قال الشيخ زايد في نهاية المقابلة " هذا من كنت أريده " .
كان الإمام رحمه الله أيام عرفته لا يفتر عن المطالعة والبحث والتحرير من بين ثنايا الكتب ،وقد اقتنى مكتبة ضخمة يعز وجود مثلها في ثرائها وتنوعها في شتى فنون العلوم الشرعية واللغوية ، وقد استفدت منه مسائل عديدة حررها وبين الراجح فيها جزاه الله عني خير الجزاء ، هذا مع ما منحه الله تعالى من حسن الخلق ورجاحة العقل والفطنة والحصافة والتواضع واللباقة ولين العريكة وخفة المزاج والظرافة واللطافة ..الخ
وعما تبقى من حميد خصاله ++ أرى الصمت أولى بي من ان أتكلما . 
فاللهم اغفر له واجعل درجته في المهديين وارفع كتابه في عليين واغفر لنا وله يارب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه ، ونسأل الله أن يبارك في عقبه وفي عقب صنوه الولي الصالح الزاهد اكوهي ، وأن يعمهم جميعا بلطفه وجوده ،وقد روينا عن بعض الصلحاء مقولة : إن الله تعالى يستحيي أن ينزع البركة من موضع قد جعلها فيه .

د / سيدي يحي بن عبد الوهاب .
syahia@islam.gov.qa
قطر – الدوحة .

عودة للصفحة الرئيسية