الدكتور عزمي بشارة ومشروع النهضة العربية الجديد

د. حماه الله السالم أستاذ التعليم العالي موريتانيا

السبت 20-05-2017| 12:00

رغم رصيده النضالي والسياسي الضخم، إلا أن المفكر العربي د.عزمي بشارة بدأ أخيرا يتفرغ للمشروع الكبير الذي نذر نفسه له، وهو مشروع معهد الدوحة الذي يضم مؤسسات بحثية وعلمية وثقافية وتعليمية عالية.

ومع أن الدكتور عزمي هو من يدير المؤسسات التي تندرج تحت المشروع، وهو صانعه ومبدعه، إلا أنه سيكون من الخطأ أن لا يكون للرجل حضور دوري بوصفه أكاديميا قبل كل شيء في الدرس الجامعي الافتتاحي مثلا أو حتى نقاش أعمال دكتوراه مستقبلية.

شعر الدكتور عزمي منذ 2010 بضرورة وجود مشروع فكري عربي جديد يضم المفكرين العرب، يتجاوز مجرد التواصل الالكتروني أو اللقاءات المراسيمية، إلى مشروع فكري جدي يتجاوز المحاولات الفكرية التي حاولت مراكز وشخصيات إنجازها وبقيت حبيسة البيروقراطية والنمطية.

أطلق د.عزمي مشروعه النهضوي العربي الجديد من خلال ثلاثة مشاريع كبرى من الدوحة عاصمة دولة قطر التي تسعى إلى أن تكون حاضنة عالمية للعلماء والباحثين والمفكرين والمبدعين.

أولا : البحث العلمي : قام الدكتور عزمي بتأسيس مركز بحثي للعلوم الإنسانية والاجتماعية (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) وسرعان ما تحول المركز إلى أهم مؤسسة بحثية عربية بل صار له تأثير خطير في سياسات المنطقة، لدرجة أنه صار مؤسسة مزعجة لبعض البلدان والأنظمة رغم طابعه العلمي والمستقل.

يضم المركز طائفة واسعة من المفكرين والباحثين العرب من مختلف الأجيال ومن كل التوجهات الفكرية، واستطاع في سنوات قليلة أن ينشر رصيدا معتبرا من الكتب والدوريات العلمية المحكمة تجاوز ما نشر وأنجز في مراكز عربية سبقته بعشرات السنين.

بدأ المركز يصبح مرجعا مؤسسيا وعلميا لغالبية الباحثين العرب في المغرب والمشرق والمهجر، ويتيح إمكانية النشر العربي العلمي المحكم والمؤتمرات العلمية المحكمة مع متابعة دورية للشأن العربي والعالمي بالتقارير والمتابعات.

ويبقى من الضروري أن يسهم هذا المركز في تقديم (حلول وبدائل) بشأن قضايا شائكة في الوطن العربي من قبيل : الأقليات في المغرب العربي، والعلاقات بين العرب وجوارهم الإفريقي، وشكل التوافق الممكن في العمل السياسي العربي المقبل داخل كل دولة، وأيضا تعزيز التواصل العربي المشرقي ـ المغاربي من خلال التأريخ العلمي لتجاوز الإرث السياسوي والقطيعة السياسية والإيديولوجية، وترسيخ قراءة جديدة للتواصل الثقافي العربي يجد فيها العرب بمختلف مكوناتهم الفكرية والثقافية ذواتهم، وتدريس ذلك التواصل أكاديميا للطلبة العرب وتقديم نماذج منه في الكتيبات المدرسية والتواصل مع المنظومة التربوية العربية الرسمية لتسهيل تلك المقاربات.

ثانيا : معجم الدوحة التاريخي للغة العربية : يعتبر هذا المشروع العلمي أهم عمل في تاريخ اللغة العربية منذ تأليف (لسان العرب) ويتجاوز كل ما أنجزته مجامع اللغة العربية التقليدية، ليقدم بعد 15 سنة معجما لغويا فيلولوجيا للغة العربية قد يتجاوز معجم أكسفورد الذي تفخر به اللغة الإنجليزية. وسيكون هذا المعجم طفرة علمية للغة العربية تمكنها من تجاوز مراحل من التأخر الذي أصابها من قرون.

ثالثا : معهد الدوحة للدراسات العليا : وهو أداة أكاديمية لبناء جيل من الباحثين والخبراء العرب في العلوم الإنسانية والاجتماعية والإدارة المتقدمة، جيل يجمع بين الالتزام القومي والكفاءة العلمية.

انطلقت الدراسة في المعهد في 2015، وما تزال عملية بناء مكتبة الدراسات العربية قيد الاكتمال وهو مسعى يجب أن يكون محوريا في مكتبة وأرشيف المعهد، وأيضا أن يضم كل الجنسيات العربية لصهرها في بوتقة أكاديمية وثقافية ومؤسسية واحدة.

وينتظر أن تعكس البرامج التاريخية المجال العربي بكامله، وأن تمكن البرامج الفلسفية والسياسية والأدبية من تكوين جيل من الباحثين العرب الشباب الذين يمتلكون فكرا نقديا ومعرفة نظرية تتسم بالصرامة والأمانة، وتجمع بين الخصوصية والكونية.

إذا قدر لهذا المشروع النهضوي الذي يقوده المفكر عزمي بشارة، فإن الجيل العربي القادم سيحظى بأساس متين يمكن أن يواجه التحولات العالمية والصدمات المختلفة.

 

ويبقى من الضروري أن يتجاوز هذا المشروع كل العوائق البيروقراطية التي شلت أو أفشلت مشاريع سابقة في لبنان وفي القاهرة، وأن يرتكز على قاعدة علمية مؤسسية راسخة. لكن كل ذلك سيبقى صعبا من دون دعم عربي واسع من قبل النخبة العلمية والثقافية والشبابية.

عودة للصفحة الرئيسية