هل يمكن أن يصبح الزعماء الأقوياء رؤساء حكومات ناجحين؟

أرتشي براون بروفيسور متخصص في العلوم السياسية/ جامعة أوكسفورد

الاثنين 1-05-2017| 00:04

كليمنت أتلي كان ذا شخصية هادئة وغير صدامية الأمر الذي جعل الناس يبخسونه قدره

غالباً ما تتردد على مسامعنا عبارات مثل "زعيم قوي" و"قيادة قوية ومستقرة" وكذلك "حكومة قوية ومستقرة" ولكن ما هو المعنى الكامن وراء هذه العبارات؟


قد يتفق معظم الناس على أنهم يريدون "زعيماً قوياً" وقلة منهم يعبرون عن رغبتهم في "زعيم ضعيف". لكن إذا كان ما نقصده بوصف"زعيم قوي" هو شخص صاحب سلطة قوية ويتخذ قرارات مهمة فإن هذا لا يعني بالضرورة قيادة فعالة.


إذ أن توزيع القوى بين المسؤولين يؤدي عادة إلى اتخاذ قرارات أفضل ويمنع وجود شخص واحد يتفرد بالقرارات ويأخذ بنصيحة المقربين منه الذين لا يخالفونه الرأي عادة.

بعد الحرب العالمية الثانية تولى كليمنت أتلي Clement Attlee زعيم حزب العمال، رئاسة وزراء بريطانيا.


ويعد هذا الزعيم محركا دافعا وعرابا لسلسلة من السياسات الكبيرة التي غيرت المجتمع البريطاني مثل ابتكار نظام الخدمة الصحية الوطنية NHS.


في حكومة أتلي Attlee كانت مسؤوليات رئيس الوزراء الفردية وكذلك مسؤوليات أعضاء حكومته محددة، ولم يحاول أتلي السيطرة على المسار السياسي أو التفرد به. لأنه كان يؤمن بالقيادة المشتركة، عاملاً بمبدأ أن "زملاءه قد يكونون أكثر حكمة منه".


وفي عرف الخبراء فقد تمثل إنجاز أتلي في الإبقاء على لُحمة أعضاء حكومته رغم اختلافاتهم، فهو وإن لم يكن زعيماً قوياً إلا أنه تمكن من قيادة حكومة قوية ومستقرة.


الحكومة التي ترأسها أتلي منذ (1945 إلى 1951) وتلك التي ترأستها مارغريت تاتشر (1979 إلى 1990 ) كانتا الحكومتان الوحيدتان اللتان أحدثتا تغييراً كبيراً في البلاد.


ومن هذا المنطلق فإن كلا الحكومتين كانت قوية ووضعت أطر الأجندة السياسية لجيل كامل. وكثير من السياسات التي دشنتها حكومة العمال في عهد أتلي ظلت فاعلة إلى أن غيرتها حكومة تاتشر.


في المقابل كانت مارغريت تاتشر Margret Thatcher رئيسة حكومة مسيطرة ونجحت في تطبيق سياسات مثيرة للجدل، لكنها خسرت دعم النواب الذين اعترضوا على طريقتها في الحكم وأسلوبها المحتكر للسلطة. ما أدى في النهاية إلى إقصائها من طرف أعضاء حكومتها وكذلك حزبها.


أما أتلي الذي كان يراه الجميع ذا شخصية هادئة وغير صدامية فقد تمكن من أن يقود حزب العمال مدة عشرين سنة قبل أن يتقاعد في سن الثانية والسبعين.
السلطة المطلقة سلاح ذو حدين


نادراً ما يتوقف الزعماء الذين يسعون إلى الحصول على سلطات أكبر وأقوى، ليفكروا بأن خليفتهم الذي قد يمتلك أجندة سياسية مختلفة قد يرث هذه القوة ويستفيد منها.


فقد أقنع إد ميليبان Ed Miliband زعيم حزب العمال نواب حزبه بالتوقف عن انتخاب حكومة الظل وأن يولوه مهمة تعيين الأعضاء.


وفي البداية عارض جيريمي كوربن Jeremy Corben الزعيم الحالي لحزب العمال هذا التغيير ولكن عندما ورث هذه الصلاحيات رفض أن يعيدها إلى نواب العمال حتى عندما صوتوا لاستعادتها السنة الماضية.


والاحتفاظ بالسلطات الإضافية بيد الزعيم يوضح الفرق بين "زعيم قوي" و"قيادة قوية". صحيح أن قبول كوربن إعادة الصلاحيات إلى النواب كان سيقلص من سلطته إلا أن قيادة انتخبت من قبل حزب برلماني ستكون تركيبتها السياسية أقوى وكذلك شعبيتها بين الناخبين.


على مر التاريخ أظهر رؤساء الوزراء رغبة أكبر من قادة المعارضة في تمييز أنفسهم عن الآخرين. وذلك بتشجيع من مساعديهم ومستشاريهم الذين يعلمون أنه كلما ازداد عدد القرارات التي يتخذها رئيس الوزراء كلما زادت قوتهم وزاد تأثيرهم.


وقد خطت تريزا ماي رئيسة الوزراء الحالية في موضوع شخصنة القوة خطوة إضافية في مجلس العموم هذا الأسبوع عندما قالت إن "التصويت لصالحي ولمرشح حزب المحافظين في الثامن من يونيو/حزيران سيؤدي إلى قيادة قوية ومستقرة وهو ما سيجعل خروجنا من الاتحاد الأوروبي يتم بشكل أفضل".


فوز الحزب لا يعتمد على شعبية زعيمه


لكن في حقيقة الأمر فإن اسم ماي سيظهر فقط في دائرتها الانتخابية، وصحيح أن بعض الناخبين يصوتون لصالح حزب أو ضده بناء على مفهومهم الخاص حول مهمات الزعيم إلا أن الانتخابات البرلمانية ليست انتخابات رئاسية. إنها عبارة عن اختيار حزب سياسي ضد حزب آخر.


يذكر أن حزب المحافظين فاز بالانتخابات العامة في 1970 في وقت كان فيه هارولد ويلسون Harold Wilson زعيم حزب العمال أكثر شعبية من إدوارد هيث Edward Heath زعيم حزب المحافظين.


كما أن شعبية زعيم حزب العمال جايمس كالاغان James Callaghan كانت تفوق شعبية مارغريت تاتشر زعيمة حزب المحافظين بعشرين نقطة في استطلاع الرأي الذي سبق انتخابات 1979 إلا أن المحافظين هم الذين فازوا في الانتخابات.


ولكن بحلول 1983 وتحديداً بعد الحرب التي خاضتها للتأكيد على سيادة بريطانيا على جزر فولكلاند Falklands في جنوب المحيط الأطلسي، ارتفعت شعبية تاتشر كثيراً.
اختيار الحكومة أكبر من اختيار رئيس الحكومة


لاحظ المحلل السياسي ومحلل الانتخابات انطوني كينغ الذي توفي في يناير/كانون الثاني الماضي أن "الدول التي تحكم بشكل أفضل تدين بحكومتها الجيدة إلى واقع أن المؤسسات السياسية والثقافة السياسية فيها هي التي تحتم وجود قادة أقوياء فيها"


وخلص إلى أن "ديموقراطية ليبرالية ناجحة يمكن أن تكون ضد القادة بمعنى أنها لا تسمح لقائد واحد بأن يتسلّم السلطة كما أن الحكومة فيها لا تعتمد على زعماء أقوياء لاستمرار نجاحها".


عودة للصفحة الرئيسية