هل أجبر النظام المعارضة على تغيير أسلوبها؟ الرئيس الدوري لائتلاف أحزاب الأغلبية يحض الأطراف إلى ميثاق شرف في اللغة والأساليب رابطة العالم الإسلامي تدين إغلاق سلطات الاحتلال الإسرائلي للمسجد الأقصى رسائل الخامس عشر من يوليو بيان من نقابتي الأطباء الاخصائيين والعامين ملاحظات على حشد السبت الفيفا ينفي تلقيه "طلبا من دول عربية لسحب استضافة كأس العالم من قطر" صدور كتاب تاريخ موريتانيا قبل الاحتلال الفرنسي الإعلان عن وفاة المفوض انكراني ولد محمد محمود الإعلان عن المنسقية الوطنية للتعديلات الدستورية⁩

جيش للقبائل؟ الجيش والحكم في موريتانيا

الاثنين 24-04-2017| 16:08

عبد الودود ولد الشيخ / ترجمة: التاه ولد حبيب/ وباب ولد حرمه

من بين كلّ الهيئات التي تنصُّ عليها الدساتير، فإنّ الجيش هو أكثرُ مَن يحوز صفات "مجتمعٍ داخل المجتمع،" وذلك لامتلاكه مناطقَ سكنيّةً خاصّةً به، وتراتبيّةً، وسماتٍ محدّدةً في الملبس، وطقوسًا، وتسييرًا مستقلًّا، إلى ما هنالك. ولقد رأى البعضُ أنّ هذه الخاصّيّة النوعيّة، التي تشكّل نموذجًا "مثاليًّا" للبيروقراطيّة، إذا ما دُعمتْ بالصرامة التي تفترضها التراتبيّةُ، قد توجِّه الجيشَ إلى أن يكون "بوتقةَ الأمّة" في سياق المستعمَرات السابقة : حيث سبقت الدولةُ الأمّةَ، وحيث الانسجامُ الوطنيُّ كان في طور التشكّل، وحيث تُهدِّد عواملُ التجاذب ــــ التي غالبًا ما تُحَدَّدُ في تجذّر التضامنات "البدائيّة" ذاتِ الطابع القبليّ أو الإثنيّ أو الجهويّ ــــ بناءَ الدولة واستمراريّتَها. ومن المرجَّح أنّ موجة الانقلابات التي اجتاحت إفريقيا (وبقيّةَ دول العالم الثالث) غداةَ الاستقلال (فيست، 1970)، ولم تنجُ منها موريتانيا، قد وَجدتْ في هذا الرأي أحدَ أسبابها و/أو أحدَ أشكال شرعنتها(1) الأكثر استخدامًا.

ولكنّ الجيش هو أيضًا أنموذجٌ مصغّرٌ للمجتمع، يُرجِّع صدى تناقضاته، وموروثه الثقافيّ، وصعوباته الاقتصاديّة، وتصوّراتِ السلطة والحكم المتداولة فيه. وسأحاول من خلال الملاحظات الآتية تسليطَ الضوء ــــ مطبوعًا بنزعةٍ ثقافويّةٍ "مخّففة" ــــ على تطوّر تدخّلات الجيش في المشهد السياسيّ الموريتانيّ. إذ يبدو لي منطقيًّا القولُ إنّ جانبًا من الأوتوقراطيّة الهشّة (ولكن العنيفة أحيانًا)، التي رافقتْ حكمَ أصحاب البزّات العسكريّة، يمكن إرجاعُه إلى مطلب "الاستبداد" وتقديس "السلطان" ــــ وهو مطلبٌ يسكنُ، منذ وقتٍ طويل، تقاليدَ تصوّر الحكم العربيّةَ والإسلاميّة، ولو كان الطابعُ "المستوردُ" للدولة وتبعيّتُها للعالم الخارجيّ غيرَ غريبيْن عن ذلك أيضًا؛ وهذا هو الجانبُ "الثقافويّ" من كلامي. ولكنّ المطلبَ الآنف الذكر يتطوّر ويتحوّل بفعل السياقات والبشر؛ وهذا هو المظهرُ "المخفَّف"، أي التاريخيّ، من كلامي.

أولًا : "كلُّنا مماليك"(2)

ولكنْ قبل الدخول في صلب الموضوع، قد يكون ملائمًا القيامُ ببعض الإيضاحات الاصطلاحيّة لتجنّبِ أيّ سوء فهم. وسأركّز على مصطلح "قبيلة،" وإنْ كان مصطلح "إثنيّة" الذي سيظهر هو الآخر في هذا النصّ، يثير الريبةَ نفسَها لدى علماء السوسيوأنتروبولوجيا، عندما يُستخدم لقراءة أشكال التعبئة والانخراط السياسيّ في إفريقيا (أمسيل وامبوكولو، 1985). إنّ الاستخدام القدحيّ لمفهوم "القبيلة،" في إطار رؤيةٍ ترتيبيّةٍ للمجتمعات البشريّة في شكلٍ تطوريّ، قد خضع للتحليل والنقد (غوديلييه، 1973؛ بونت، 1991 و2008). ورفضُ المنظور التطوّريّ، الذي يقابل المجتمعاتِ "ذاتَ الدولة" ومجتمعاتِ ما قبل الدولة، أي "المجتمعاتِ القبليّة"؛ ومراجعةُ الترسيخ الاستعماريّ وما بعد الاستعماريّ لهذه الثنائيّة؛ وَجدا امتدادًا حديثًا في الأعمال المستلهَمة من التفكيكيّة وما بعد الحداثيّة (أبادوراي، 1996). إنّ فكّ الارتباط الحاصل بين مكان الإقامة والهويّة ــــ وهو ارتباطٌ يعود (من بين أمورٍ أخرى) إلى تكاثف ظواهر الهجرة، وإلى ما توفّره سرعةُ وسائل الاتصال الحديثة من كسرٍ لحاجز المكان ــــ ربما شوّش صورةَ المجموعات "البدائيّة" ("الإثنيّات" و"القبائل")، التي أصبحتْ تؤثّر فيها هويّاتٌ "بعيدةُ المدى" و"حنينٌ إلى الحاضر،" كما يحبّ أبادوراي أن يقول. وتُنتج هذه الهويّاتِ جالياتٌ معولمة، مرتبطةٌ بدوائرَ اقتصاديّةٍ وإيديولوجيّةٍ ذات امتداداتٍ كونيّة. وإذا نظرنا إلى "القبيلة" و"الإثنيّة" من هذه الزواية، فلربّما أمكننا القول إنّهما ليستا سوى ثمرةِ "اختراعٍ" يعاد تعديلُه كلّما اقتضت تقلّباتُ سوقُ "الهويّات" المحليّةُ/الكونيّةُ.

ومهما تكن فائدةُ هذه المقاربة، فإنّني لستُ مقتنعًا تمامًا بأهدافها المعرفيّة النهائيّة، التي تقود إلى إلغاء كلّ حقيقةٍ سوسيولوجيّةٍ "ملموسةٍ" لصالح لعبة مرايا الخطابات (والخطابات حول الخطابات) التي تتّخذ تلك الحقائق ذريعةً أو موضوعًا.(3) وأفضّل أن أضعَ كلامي في الإطار الذي حدّده كليفورد غيرتز في فصلٍ بعنوان "من وجهة نظر أصليّة : عن طبيعة الفهم الأنثروبولوجيّ" في كتابه المعارف المحلّيّة (1983، 55، 70)، شرطَ أن نُخلّص هذا الإطارَ من إغراء نزع صبغة الوجود عن الواقع.(4)

يتأمّل غيرتز الفجوةَ (التي أظهرها نشرُ يوميّات مالينوفسكي) بين تطلّع الدارس الأنثروبولوجيّ إلى أن يكون المترجمَ/ الناطقَ باسم "السكّان الأصليين" (موضوعِ دراسته)، وبين التأثيرات الذهنيّة لبرّانيّته التي لا يمكن التخلّصُ منها. فيضع هذا اللّبْس في محصّلة التعارضات التي يمكن تلخيصُها في ثنائيّة الصوتيّات والنطقيّات (phonetics/ phonemics) أيْ "من الداخل"/ "من الخارج"؛ "خِطاب السكّان الأصليّين"/ "خطاب الدارس الأنثروبولوجيّ"؛ "المتكلّم"/ "الغائب"... واعتمادًا على المحلّل النفسيّ هينز كوهت، يقترح غريتز إجمالَ ذلك كلِّه في شبكة استقطابٍ أخرى، بين ما يسمّيه "مفاهيم التجربة القريبة" و"مفاهيم التجربة البعيدة." ولكنّ الحدود بين هاتيْن الفئتين من المفاهيم لا تخلو من بعض التداخل. وقد يكون "عمّالُ الحُجّة،" كما يقول باشلار، ونعني بهم أعضاءَ الهيئات البحثيّة المحترفة، على حقٍّ إذا أحسّوا ببعض التردّد إزاء وضع جهودهم في الصياغة النظريّة على قدم المساواة مع المحاولات التصنيفيّة المرتجَلة للسكّان الأصليين. أفلا تَفترض (تَستلزم) وظيفةُ الخطاب "ما وراء اللغويّة،" بدرجةٍ ما، "وظيفتَه المرجعيّة"؟ (جاكوبسون، 1963). وفي المحصّلة، أين سيسعى الأنثربولوجيون إلى البحث عن تصنيفاتهم إنْ لم يكن في أذهان "السكّان الأصليين"؟

إنّ المصطلحات الشعبيّة، المؤسَّسة على ضرورة التواصل اليوميّ، تشكّل، في الوقت ذاته، وسائلَ التصنيف وأبعادَه العمليّة؛ ذلك لأنّ "العلاقة الدوكسيّة مع العالم"(5) (بورديو، 1997) تعيش على الوهم الذي تُسهمُ في خلقه. ومن هذا المنظور أستخدمُ مصطلح "القبيلة،" مخوِّلًا نفسي الحقَّ في استخدام "سببيّة المحتمل" (بورديو، المرجع السابق) التي تجعل الوكلاءَ الاجتماعيين ــــ الذين يَعْنون في هذا السياق الفاعلين "القبليّين" الموريتانيين ــــ يستَبِقون، بناءً على تطبّعهم (habitus)، تأثيراتِ تصنيف الانتماء القبليّ، الذي يكادون لا يتخيّلون إمكانيّةَ فكاكِ مجتمعهم منه؛ وهو، مهما بدا وهميًّا، فإنّه يُنتج تأثيراتٍ أبعدَ ما تكون عن الوهميّة.(6) إنّ تأثيرَ هذا الاستباق الأدائيّ، المؤسِّس للانتساب إلى القبيلة، قويٌّ جدًّا، نظرًا لأنّه ناجم عن تنظيمٍ محكمٍ موروث، مُستندٍ إلى مجموعة كبيرة من المعتقدات والمرجعيّات والممارسات (أنساب، أراضٍ، مصاهرات، تعبئة ثأريّة.. إلخ.)، وعن ضغطٍ سبّبتْه صحوةُ الانتماء القبليّ التي أفرزتْها الطبيعةُ القبليّةُ المفترضة للنظام السياسيّ الموريتانيّ، وكلُّ التضامنات التي يميلُ إلى ترويجها.

بعد تثبيت الأسس "البراغماتيّة" التي سأبني عليها استخدامَ مفهوم "القبيلة،" أودُّ الآن التوقّفَ عند الجذور الثقافيّة للاستبداد المحلّيّ. وسألجأ إلى استخدام مصطلح "السلطانيّة" للحديث عنها.

ثانيًا: معارضة (معارضات) مُكمِّلة واستبدادٌ تنافسيّ

ليس الجيش الموريتاني وريثًا لأيّ جهازٍ أو تقاليدَ عسكريّةٍ محلّيّة. وتشترك معه في ذلك الدولةُ نفسُها؛ فكلاهما من التركة التي خلّفتها الإدارةُ الاستعماريّةُ عند مغادرتها (1960). وأثناء الاجتياح الاستعماريّ الفرنسيّ لموريتانيا، الذي اعتَمد في المقام الأوّل على التفوّق الساحق تقنيًّا واقتصاديًّا وتنظيميًّا، لم يتجاوزْ عددُ الفرنسيين أكثرَ من عشرات عناصر التأطير في أوج التدخّل العسكريّ.(17) ففي مرحلةٍ أولى، استند الفرنسيون إلى فصائلَ من الرماة السنغاليين، ثم إلى "گوميات"(18) مكتتبين على أسسٍ قبليّةٍ من مجموعات بيظانيّة (حسّان أساسًا) قَدّمتْ إليهم الولاءَ. فقد أنشئتْ، بالتدريج، مجموعاتٌ متنقلّةٌ، مكوّنةٌ من گوميات، ويقودها ضبّاطٌ وضبّاطُ صفٍّ فرنسيّون، لتقومَ بمهامّ "شرطة الصحراء" كما كان يقال آنذاك. وأثناء الاحتفالات بالاستقلال، قدّمتْ عناصرُ، من فصائل الجمّالة هذه، العنصرَ الأكثرَ إثارةً للاهتمام من بين الوسائل العسكريّة المتواضعة للجمهوريّة الإسلاميّة الموريتانيّة الفتيّة.

بدأت الدولةُ الوليدة التزوّدَ بقواتِ أمنٍ أوّليّة (درك، حرس وطنيّ، شرطة)، والعملَ أيضًا على إنشاء جيش وطنيّ، استفاد في البداية من تأطيرٍ قدّمتْه إليه القوةُ الاستعماريّةُ السابقة. ويكتسي هذا التأطيرُ أهمّيّته البالغة من أنّ الفرنسيين كانوا، سنة 1960، قد نجحوا بصعوبةٍ في أن يثْبتوا للسلطات المغربيّة، ولجيشِ التحرير الذي أرسلتْه للقتال في آدرار،(19) أنّ فرنسا لا تريد أن تدع المغربَ يضمّ موريتانيا.

حتى اندلاع حرب الصحراء سنة 1976، ظلّ حجمُ الجيش الموريتانيّ ووسائلُه متواضعةً جدًّا. ونظرًا إلى غياب معطيات دقيقة مأخوذة من وثائق ذاتِ صدقيّة ــــ فـ"أسرارُ الدفاع" تحُول دون ذلك طبعًا ــــ فإنّني سأقدّم هنا بعضَ انطباعات "شاهدٍ" على خمسين سنةً من موريتانيا المستقلّة، محيلاً هنا وهنالك على مصادرَ لا أجهلُ إطلاقًا هشاشةَ بعضها.

في سنة 1975 لم تكن أعدادُ القوّات العسكريّة وشبهِ العسكريّة الموريتانيّة لتتجاوز 3000 رجل إلّا قليلًا. وكان نوعٌ من الاختلاط الاجتماعيّ (عرقيّ، قبليّ،…) لا يزال يسُود الجيشَ في تلك الأزمنة، إذ لم يكن إقصاءُ المجموعات الزنجيّة، الموجودةِ في جنوب موريتانيا، من جميع دوائر الحكم المعتبرة، قد سلك ذلك المسلكَ الحاسمَ الذي سيسلكه بدءًا من العام 1987.(20) ومع حرب الصحراء (1976 ــــ 1979)، ازدادتْ أعدادُ الجيش الموريتانيّ ازديادًا مطّردًا جدًّا؛ فها هي تتضاعف حوالى ستّ مرات في غضون سنتين، لتصل إلى ما يقارب 18000 رجل، ممتصّةً 60% تقريبًا من ميزانيّة الدولة (مارشاسان، 1989، 181). وقد تسارع الاكتتابُ في الجيش حين كان الجفافُ الماحقُ، الذي عرفتْه البلادُ مطلعَ السبعينيّات، ما يزال يدفع نحو المدن، وخصوصا نواكشوط، بفيالقَ متزايدةٍ من المزارعين والرُّعاة المفْلسين، تشكِّل الطبقةُ الأقلُّ حظًّا من مجتمع البيظان ــــ أي الحراطين ــــ غالبيّتَهم؛ فليس غريبًا أن يشكّل الحراطن نسبةً معتبرة من الجنود المكتتبين على عَجَلٍ ليواجهوا ضروراتِ الحرب.

لم يكن التسرّعُ الذي صاحب الاكتتابَ، مضافًا إلى ضعف التجهيزات وغيابِ المحفِّزات، ليسمحَ للجيش الموريتانيّ بأن يعوِّقَ تقدّمَ جبهة البوليساريو نحو النصر، على الرغم من وجود فيلقٍ مغربيّ من عدّة آلافٍ من الجنود في موريتانيا، وعلى الرغم من مشاركة الطيران الفرنسيّ.(21) وفي حين كانت الهزائمُ تتوالى ويغيب الأمن، أصبح فسادُ الجيش مصدرَ قلقٍ جدّيًّا للقيادة السياسيّة الموريتانيّة. وبالتوازي مع حملة تعبئةٍ قام بها الحزبُ الواحد(22) ولم تلقَ إلّا صدًى خافتًا، بدأ الرئيس المختار ولد داداه يدينُ هذا الفسادَ؛ بل اتّخذ إجراءاتٍ خجولةً لمحاولة وقف تقدّمه،(23) أبرزُها تعديلاتٌ في قيادة الجيش والحكومة. وعليه، فقد يكون الفشلُ في قيادة الحرب ضدّ البوليساريو، مضافًا إلى القلق والاستياء اللذيْن خلّفتهما لدى الضباط المحاولاتُ الخجولة لإضفاء صبغةٍ أخلاقيّةٍ على استعمال الموارد الموضوعة تحت تصرّفهم، قد شجّع بعضَ هؤلاء على إنهاء وضعيّةٍ كانت تبدو مسدودةً. وهكذا حصل انقلابُ 10 يوليو 1978.

وإذا كان المُقدَّم المصطفى ولد محمد السالك، الذي كان حينها قائدًا للأركان، قد برز على رأس الهيئة التي تدير الانقلابَ (اللجنة العسكريّة للإنقاذ الوطنيّ)،(24) فإنّ رجلَ الشارع مَنح الرائد جدّو ولد السالك الدورَ الأبرزَ في التحضير للانقلاب؛ وهو انقلابٌ استفاد، في البداية، من دعمٍ مدنيٍّ غير متجانس، يمكن فهمُه جزئيًّا من خلال التضامنات القبليّة والجهويّة،(25) إذا وضعنا في الاعتبار أنّ الانقلابيين أنفسَهم شجّعوا استعادةَ هذه التضامنات من أجل التمايز عن الأسلوب العالمثالثي/ اليعقوبيّ (jacobin) للنظام المدنيّ المنقلَبِ عليه (الذي لم يكن هو الآخر خِلوًا من التأثيرات القبليّة والجهويّة).(26) وكانت التوجّهات "الليبراليّة" والإحيائيّة لسلطات الانقلاب تتباين مع المحتوى الاستبداديّ للوثيقة الدستوريّة التي صادقتْ عليها لتحلّ محلَّ دستور1961، ومع مركزة السلطة الذي تمنحه اللجنةَ العسكريّةَ وقائدَها أو قادتَها. ولكنْ إذا كانت التوازناتُ/الاختلالاتُ الداخليّة والعِرقيّة والقبليّة والجهويّة، وانعكاساتُها المؤسسيّة، تشغل، بشكلٍ واسع، الرأيَ العامَّ في سياقِ تنافسٍ زادَه الانفتاحُ الجديدُ في اللعبة السياسيّة التالية للانقلاب، فإنّ إحدى القضايا الرئيسة التي كان على العسكرييّن إدارتُها هي الخروج من المأزق الصحراويّ. وكانت الأبعاد الإقليميّة والدوليّة لهذا الصراع، الذي يتواجه فيه، عن طريق البوليساريو وموريتانيا، كلٌّ من الجزائر والمغرب والمعسكر "التقدّميّ" والمعسكر الموالي للغرب، تستدعي تماهياتٍ وصراعاتِ تصنيف تستند إلى هذه الخلفيّة الإقليميّة والعالميّة الواسعة.

إضافةً إلى ذلك، أشّر ضمُّ موريتانيا للجزء الجنوبيّ من الصحراء، بموجب اتفاق مدريد،(27) لى إعادة تمركزٍ مغاربيِّ العمق لموريتانيا، على حساب دور "همزة الوصل" بين ضفّتَي الصحراء ــــ وهو الدورُ الذي كان أوّلُ رئيسٍ للبلاد يحبُّ أن يطْبعَها به. كما عزّز من قبضة العروبييّن في موريتانيا، وتزامن ذلك مع تغييراتٍ في مجال التعليم تميل إلى تعريبه. وكان من الطبيعيّ ألّا تخفِّف هذه الإجراءاتُ من التوتّرات العرقيّة، بما فيها الحاصلة داخل الجيش، وقد عرفت البلادُ إرهاصاتِها منذ سنوات الاستقلال الأولى. وشجّع الحضورُ الكبيرُ للحراطين في مستويات الجيش الدنيا، ومكانتُهم في التركّز الجديد للفقرِ الحضريّ الذي يغذّيه الناجون من الجفاف، ووضعيّتُهم في التنافس على الأرض في الأعماق الريفيّة بين "أسيادهم" (الرحّل بالأمس) وجيرانِهم الزنوج (المستقرّين في التخوم الجنوبيّة لموريتانيا)؛ شجّع ذلك كلُّه على جعل هذه الشريحة المهمّة من الشعب الموريتانيّ فاعلًا جديدًا لا يمكن تجاوزُه في المشهد السياسيّ، وستجد عمّا قريب في "حركة الحر"(28) حاملًا أوّلَ لرايةِ مطالبها.

تبدو هذه بعضَ أهمّ العوامل المحلّيّة التي رافقتْ ظهورَ الحكم العسكريّ في موريتانيا وتطوّرَه. وهذا ما لا يمكن التوسّعُ في شرحه هنا، وسنكتفي ببعض المعالم والملاحظات.

غداةَ إطاحة المختار ولد داداه، أعلنتْ حركةُ البوليساريو، التي كان الانقلابيون على اتصال بها، وقفًا لإطلاق النار من جانبٍ واحد (12 يوليو 1978). وقد وجدت السلطاتُ العسكريّة الجديدة، الممزّقة بين "تقدّمييّن" منحازين إلى المحاربين الصحراويين و"معتدلين" مؤيّدين للمغرب، صعوبةً في تحديد مسارٍ واضحٍ لوضع حدٍّ لضلوع موريتانيا في النزاع الصحراويّ، من دون أن تبدو منحازةً إلى أيٍّ من طرفي الصراع الرئيسيْن، أي المغرب والجزائر. وشكّلت الاضطراباتُ العرقيّةُ، التي أثارها عَداءُ طلّابٍ منتمين إلى المجموعاتِ الزنجيّة تجاهَ قرارٍ (صدر في فبراير 1979) يسعى إلى ترسيخ التعريب، فرصةً للمقدّم ولد محمد السالك، ولمن يساندونه من داخل جهاز قيادة الانقلاب، من أجل إزاحة مَن بدا الفاعلَ الرئيسَ في انقلاب 1978، أي الرائد جدّو ولد السالك (الذي كان وزيرًا للداخليّة ويُعتبر مقرّبًا من الأوساط القوميّة العربيّة).(29) وقد وسّع ولد محمد السالك من نفوذه عبر مراجعة الميثاق الدستوريّ، بما يسمح بتركيزٍ عموديٍّ أقوى للسلطة في قبضته. ورغم ذلك، لم ينجح في إخماد الاضطرابات العرقيّة،(30) وظهر عاجزًا عن إيجاد مخرجٍ سريعٍ من المستنقع الصحراويّ. وهكذا، قام ضبّاطٌ يُعتبرون موالين للمغرب وللغرب،(31) واعتَمد عليهم ولد محمد السالك للتخلّص من جدّو ولد السالك وأصدقائه، بالترتيب لتنحيته بهدوء، بتاريخ السادس من إبريل سنة 1979. بقيَ ولد محمد السالك رسميًّا على رأس اللجنة العسكريّة، التي أصبحت "للخلاص الوطنيّ،"(32) لكنّ السلطة الحقيقيّة غدت في يد المقدّم أحمد ولد بوسيف، رئيسِ الوزراء في التشكيلة الحكوميّة الجديدة، على إثر مراجعةٍ جديدةٍ للميثاق الدستوريّ.

وعلى الرغم من ذلك فقد تواصلت التردّداتُ والصراعاتُ بشأن طُرقٍ للخروج من المأزق الصحراويّ، وطبيعةِ العلاقات التي تنبغي إقامتُها مع طرفَي الصراع. ولم يَرُقِ التقاربُ الذي بدأ يتبلور مع المغرب، منذ التغيير في رأس اللجنة، لبعض الأعضاء المؤثّرين داخل "اللجنة العسكريّة،" ممّن دفعتْهم ارتباطاتُهم القبليّةُ إلى البحث عن حلّ مع المقاتلين الصحراويين.

فتحَتِ الوفاةُ العَرَضيّةُ لأحمد ولد بوسيف(33) الطريقَ أمام العناصر المعروفة بتأييدها للصحراوييّن في "اللجنة العسكريّة." وشكّل تعيينُ المقدّم محمد خُونا ولد هيدالة في منصب رئيس الوزراء، خلفًا لأحمد ولد بوسيف، بدايةً لهذا الانقلاب. فلنتجاوز الأحداثَ التي طبعتْ طريقَ ولد هيدالة من أجل التركيز الحصريّ للسلطة في يده،(34) ابتداءً من تاريخ الرابع من يناير سنة 1980. قبل ذلك، في الخامس من أغسطس سنة 1979، وعلى إثرِ المفاوضات التي قادها المقدّم أحمد سالم ولد سيدي في الجزائر العاصمة، وُقّع اتفاقُ سلام مع جبهة البوليساريو، أجْلت بموجبه موريتانيا المنطقةَ التي كانت تحت سيطرتها من الصحراء،(35) فاجتاحها المغربُ مباشرةً. وفي الرابع عشر من أغسطس 1979 أعيدت العلاقاتُ الدبلوماسيّة مع الجزائر، التي ظلّت مقطوعةً منذ سنة 1976.

نجح ولد هيدالة في البقاء على رأس السلطة حتى نهاية العام 1984. ولم يكن يملك سوى قاعدةٍ قبليّةٍ محدودةٍ جدًّا، إذ كان معظمُ أبناء قبيلته الصغيرة الحجم يقطنون في الصحراء. ولكنّ قبيلته كانت حليفًا تقليديًّا لقبيلة "الركيبات" القويّة، التي تشكّل العمودَ الفقريَّ لجبهة البوليساريو. ولقد سعى، من خلال التقارب مع البوليساريو (وهو تقاربٌ كان محلَّ اعتراض)، إلى ترسيخ شرعيّةٍ يطْبعها استخدامٌ متزايدٌ للعنف ضدّ "المتآمرين" من كلِّ حدبٍ وصوب.(36) وكان أنصارُ هذا التوجّه يُحشدون من مشاربَ متنوعةٍ جدًّا، لا يجمعها على ما يبدو سوى موقفِها العدائيّ أو اللّامبالي مِن ضمّ الصحراء: بقايا الحركة اليساريّة في السبعينيّات (الكادحين)،(37) وحركة الحراطين الناشئة،(38) والمجموعات الزنجيّة الإفريقيّة،(39) التي لم تتحمّس كثيرًا للتوسّع نحو الشمال، لِما يقتضيه ذلك من اختلالٍ "عرقيّ" على حسابها.

لن تمضيَ بعيدًا الإجراءاتُ التي رسمها ولد هيدالة بغرض إشراك المدنيين في تسيير الشؤون الحكوميّة.(40) كما سيبقى محدودًا جدًّا المحتوى "الديموقراطيُّ" للآليّات التي وعد بها، أو قام بها فعلًا، من أجل تشجيع الشعب على المشاركة الحرّة في اختيار التوجّهات العموميّة الكبرى. فقد تضافرتْ ضرورةُ قمع كلّ "المؤامرات،" مع الميول الاستبداديّة العسكرية لدى الرئيس، من أجل القضاءِ سريعًا على ذلك المحتوى. لكنْ لم يُمهَل ولد هيدالة لإتمام بناء حكم فرديّ متطوّر نوعًا ما؛ فقد أطيح في انقلاب 12 ديسمبر 1984. ويبدو أنّ قائدَ الأركان والوزيرَ الأوّل السابق، الذي أقاله ولد هيدالة، معاوية ولد الطائع، أدّى دورًا محوريًّا في هذا التغيير، الذي ظهر سريعًا أنّه المستفيدُ الرئيسُ منه.

مع العقيد ولد الطائع، الذي سيبقى على رأس الدولة ما يقارب إحدى وعشرين سنةً، ستَعرف أبعادُ الحكم السلطانيّة "ازدهارًا" لا تُمكن مقارنتُه بالمحاولات الخجولة لعبادة الشخصيّة الموجّهة إلى "أبي الأمّة" المختار ولد داداه، في أواخر عهد حزب الشعب الموريتانيّ. ومع ذلك فقد أنعشتْ الإطاحةُ بولد هيدالة آمالَ الحريّة، وحرّكتْ ما يشْبه ريحَ الديمقراطيّة في بلدٍ طحنتْه ثلاثُ سنوات من القمع على جميع الصعد. فقد بادر سادةُ الحكم الجدد، في مناورةٍ جدّ كلاسيكيّة، إلى إخلاء سبيل جميع المساجين السياسيين في العهد الهيداليّ، مانحين الفاعلين السياسيين نفَسًا سياسيًّا جديدًا ــــ وكثيرٌ منهم سبق أن قمعهم بوحشيّةٍ الجهازُ الذي أطاحوا به للتوّ، وكانوا يخدمونه جميعًا.

ولكنْ لم تَطُلْ حالةُ الارتياح التي أعقبتْ هذه الإجراءات. فقد سمح تضافرُ مجموعةٍ من العوامل الاجتماعيّة، إضافةً إلى قدرةٍ فائقةٍ على التكيّف مع التحوّلات التي شهدها "المجتمعُ الدوليّ"، لسيّد البلاد الجديد بترسيخِ أركانِ استبدادٍ يَلبس لبوسَ الرضا الشعبيّ؛ ولا يعود الفضل في هذا الترسيخ إلى كاريزما الفاعل الرئيس في الحكم.

صاحبَ التفكُّكَ في الإدارة، وهو تفكّكٌ غذّاه انفجارُ الطلب على العمل والخدمات (العدالة، التعليم، الصحّة،…)، وولّده التدفّقُ المستمرُّ للريفيّين، استشراءٌ واسعٌ للفساد في مفاصلها. ويتجلّى هذا الفساد ــــ مدنيًّا أو عسكريًّا ــــ في تعبئة/ بعث شبكاتِ "قرابةٍ،" تحافظ عليها المنافعُ المادّيّةُ و/أو "المعنويّةُ" التي يمكن أن تنتجَها أو تعطي الأملَ في إنتاجها. ويعني هذا أنّ تعبئةَ روابط القرابة والزبونيّة تؤسِّس جيوبًا شبهَ مُخوصصة لتبادل المصالح والتضامن، يقدّم إليها الانتماءُ القبليُّ/ الإثنيّ المشترك أحدَ العوامل الأسهل استخدامًا والأكثر وضوحًا.

إنّ فقدان المؤسّسات الإداريّة لشرعيّتها البيروقراطيّة، وتآكلَ الاستقلاليّة الرمزيّة والإداريّة والتسييريّة لمُكوِّناتها العسكريّة، غذّاهما فقدانُ الثقة في الأسس البيروقراطيّة لإعادة إنتاجها (النظام التربويّ)، وتسليعُ الخدمات التي كان بإمكانها تقديمُها، في سياق سباقٍ محمومٍ نحو وظائفَ مدنيّةٍ وعسكريّةٍ، كان المعروض منها بعيدًا كلَّ البعد عن تلبية الطلب الصاروخيّ عليها. وإذا كان بالإمكان النظرُ إلى التعريب المسرَّع (وغيرِ المتقن) للمنظومة التربويّة، وهو بدأ منذ منتصف السبعينيّات وسيلةً لمواجهة حاجةٍ ملحّةٍ إلى التمدرس قصّرت التركةُ الاستعماريّةُ المفرنسةُ بشكل حادٍّ عن تلبيتها (تين ــــ الشيخ، 1994)، فإنّ هذا التعريب سيُنظر إليه في إطار الاصطفاف القوميّ الذي يضع المدافعين عن "العروبة" في مواجهة حُماة المصالح "الزنجيّة الأفريقيّة" في موريتانيا. وسيساهم الانخفاضُ الحادّ في مداخيل الموظّفين، بمن فيهم العسكر، في سياق برامج "الإصلاحات الهيكليّة" التي رَوّج لها البنكُ الدوليّ وصندوقُ النقد الدوليّ منذ بداية الثمانينيّات،(41) في تكريس الاندماج بين عالم "أصحاب الدكاكين" وعالم موظّفي الدولة، الذين تحوّلوا إلى مبتزّين حيثما أمكنهم ذلك، أو على الأقلّ إلى "متاجرين" بجزءٍ من الإدارة التي تحوّلتْ إلى "دكّان." ولن يساعد انتشارُ الثقافة الاستهلاكية الصارخة والمعولمة المتحكّمين، بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة، في النفاذ إلى موارد عموميّةٍ ذاتِ أهمّيّة، على أن يكونوا نزيهين. وهذه التحوّلات في طبيعة الإدارة "فهِمَها" الرأيُ العامّ، الذي يفضّل تضامناتِ القرابة (ولو خرجتْ عن القانون) على مصالحَ ضبابيّةٍ لجمهوريّةٍ بدأ نزعُ جلدها سريعًا... وبتوجيهٍ من أعلى السلطات "العموميّة."

وسيضع نظامُ العقيد ولد الطائع أفعالَه داخل هذه البنية، التي راحت تشجِّع على إضفاء الطابع العرقيّ/القبليّ على الحكم، الذي كان الرئيسُ يعمل بصورةٍ نشيطةٍ على تشجيعه. ولن يُفلت الجيشُ من هذا التغيّر؛ فقد كان الاكتتابُ والترقيةُ والإقصاءُ، إضافةً إلى كيفيّة تكوين الوَحدات العسكريّة، والأهميّة التي تحظى بها هذه من لدن السلطة المركزية، يمليها كلَّها الدفاعُ عن مصالح العقيد ولد الطائع الشخصيّة ومَن يخدمونه أو يستفيدون على حسابه(42) ــــ وكانوا هم أنفسُهم مُختارين على أُسسِ الولاء الشخصيّ "للسلطان،" أو لانتمائهم إلى عصبيّاتٍ قبليّةٍ معروفةٍ بولائها، أيْ قبائل "مخزنيّة" نوعًا ما.
وهكذا، فقد بدأ التوجّهُ نحو الإقصاء التدريجيّ للمجموعات الزنجيّة من دوائر النفوذ والقرار يَظهر بدءًا من سنة 1986، إثرَ بيانٍ(43) (لا يخلو من الديماغوجيّة العرقيّة) لم يكتفِ بمهاجمة "دولة البيظان" بعنفٍ فحسب، بل هاجم بشكلٍ مباشرٍ أيضًا شخصَ القائد الأعلى للعسكر. وقد أُوقف كاتبو هذا البيان أو ملهِموه المفترضون وسُجنوا. وبعد أشهر، في ديسمبر 1987، اتُهمتْ مجموعةٌ من الضبّاط "الأفارقة الزنوج" بالتحضير لانقلابٍ عسكريّ، فحصلت اعتقالاتٌ، وصدرتْ أحكامٌ، منها ثلاثةٌ بالإعدام.(44) وكان الشعور بالإقصاء المُبيَّت، الذي فُهِم من سدّ طريق الترقية الوظيفيّة أمام صغار الضبّاط "الزنوج الأفارقة،" بسبب إدخال العربيّة في مسابقات الترقية، هو ما رفعه منفّذو هذا الانقلاب لتبرير تمرّدهم.(45)
ستشكّل المواجهاتُ العرقيّة سنة 1989، المدفوعةُ من طرف السلطات الموريتانيّة (والسنغاليّة)، منعطفًا نحو تكثيف إقصاء المجموعات الزنجيّة من أماكن النفوذ في موريتانيا، إنْ لم يكن من موريتانيا نفسِها. وسيصاحِب هذا التهميشَ اجتثاثٌ دمويٌّ من الجيش الموريتانيّ سنتيْ 1990ــــ1991، فقد فيه العشراتُ من الزنوج الموريتانيين أرواحَهم.(46)

وبالتوازي مع المنعطف "العرقيّ" العنيف الذي طبع تسييرَ الشأن العامّ في موريتانيا، فقد عرف هذا الأخيرُ، تحت قيادة العقيد ولد الطائع، ارتفاعًا ملحوظًا في نفوذ الأطُر القبليّة للتجمّع والعمل السياسييْن، وخصوصًا ازدياد الوزن الاقتصاديّ والسياسيّ والأمنيّ لقبيلة القائد الأعلى نفسه. فها هي "الجمعيّات العموميّة" القبليّة تُشجَّع علنًا كي تجري الاستفادةُ منها في نشر القرارات القادمة من "هياكل تهذيب الجماهير."(47) كما ستُستخدَم أيضًا لمنح الولاء الشخصيّ للعقيد ــــ الرئيس، على شاكلة البيعة "السلطانيّة،" وذلك أثناء زياراته إلى داخل البلاد؛ وهي زياراتٌ ستتكثّف، في جوٍّ احتفاليّ يكاد يكون ملَكيًّا، مع تعزّز سلطته. وفي مثل هذه المناسبات، فإنّ على المسؤولين السامين في الإدارة (من وزراء، ومديرين،…) العودةَ إلى قبائلهم لكي يُضْفوا الطابعَ الرسميَّ على الخضوع للملك؛ وعليهم أن يكونوا فاعلين فيه بصفة مزدوجة: إداريّة وقبليّة.

لكنّ السلطنة المتصاعدة لعهد معاوية، والمؤسَّسة على جدليّةٍ (ليست دائمًا ذكيّةً) مبنيّةٍ على البعد الملكيّ، وعلى القرب "الصادق" من "الشعب،" في تجاوزٍ تامّ لكلّ الهيئات الوسيطة التي حُصرتْ في أضيق الحدود، لم تزدرِ اللجوءَ إلى طقوسٍ "ديمقراطيّة،" قَصَرَها المتعهّدُ الأكبرُ على وظيفتها المسرحيّة. ولكنّها لم تخلُ من بعض العيوب والاختلالات والارتجال، ولا من اقتحام بعض "مثيري الشغب" غير المتوقّعين، ومن ضمنهم بعضُ "الممثِّلين المكوَّنين" الذين اختاروا الخروجَ عن النص والغناءَ كلٌّ على ليلاه. ولقد قدّمتُ في مقالٍ سابق (ولد الشيخ، 1994) بعضَ العناصر التي تساعد على تقدير مدى هشاشة المسارات الانتخابيّة في موريتانيا. وتتعلّق هذه العناصرُ بغياب حالةٍ مدنيّةٍ ذاتَ صدقيّة. وسأكتفي بالتذكير بمعالم هذه المنعرجات، التي تمكن قراءتها على ضوء "التنوّع الأحاديّ الرأي،" المميِّز للانحراف الاستبداديّ، الذي يمكن أن يكون مآله النهائيّ: الحريّة المطلقة لفردٍ واحد، والعبوديّة التامّة للجميع.

في البداية أُجريتْ، في ظل "هياكل تهذيب الجماهير،"(48) انتخاباتٌ بلديّةٌ في عواصم الولايات وفي نواكشوط (19.12.1986). وقد تجاهلتْها المجموعاتُ الزنجيّة، التي كانت ضحيّةً لبدء عمليّات قمعٍ أشرنا إليها أعلاه. كانت هذه الانتخابات هي الانتخابات "التعدّديّة" الأولى من نوعها، واعتمدتْ على لوائح انتخابيّة قابلةٍ للتلاعب، وقصرت الإدارةُ التنافسَ فيها على أربع لوائح، يمكن التخمينُ بسهولة أنّ أكثرَها إثارةً "للشبهات" السياسيّة قد أُبعد. وهي لم تعطِ إلّا النتائجَ التي كان ينتظرها العسكرُ، أيْ تعيين وجهاء قبلييّن هم الأسهلُ انقيادًا لسيّد اللعبة العسكريّ. ولم يزدْ توسيعُ المسار إلى عواصم المقاطعات (ديسمبر1987)، ثم إلى البلديّات الريفيّة (يناير 1989)، هذا الاتجاهَ إلّا رسوخًا، في ظلّ تهميشٍ متزايدٍ للمجموعات الزنجيّة الموريتانيّة.

ولكنّ التحوّلات الدوليّة،(49) لا مطلبَ الديمقراطيّة الداخليّ الملحّ، هي التي سترغم العقيد ولد الطائع على توسيع هامش الإطار المؤسّسيّ للتعدّديّة المراقَبة، التي كان يودّ لو استطاع الاستمرارَ في إملاء قواعدها وحيدًا. ولم تنجح مأسسةُ التعدّديّة،(50) ولا التقدّمُ الخجولُ في الحالة المدنيّة، ولا التعبئةُ الانتخابيّةُ القويّة لمنافسيه، في إخراج نتيجةٍ من صناديق الاقتراع غير الإدامة "الانتخابيّة" لسلطته الحصريّة.(51) ولم يَسمح مسارُ التحلّل/إعادة التشكّل للمجتمع الموريتانيّ، الذي أراد العقيد ولد الطائع أن يقيم عليه حكمَه، وكان مُنتِجَه ومنتَجَه في الوقت ذاته، باعتماد البُعد الملَكيّ الذي كان يعمل على إضفائه على نفسه. فعلى الرغم من الأرضيّة الثقافيّة المواتية، فقد ظلّ رصيدُه السلطانيّ يعاني الفقرَ، وظلّ جهازُ الدولة الذي استولى عليه يعاني ضعفَ العمق التاريخيّ. وبقي التبجيلُ الملَكيّ، الذي كان يودُّ لو استثاره، يخدشه التجذّرُ القبليّ، الذي كانت الرعيّةُ تتّهمه به. فلا يُمْكن المقصيّين وضحايا "العدالة" السلطانيّة أن يُفلتوا من إغراء قراءة تراكم الثروة والنفوذ الذي يحيط بالسلطان قراءةً قبليّة، كما يفسّرون تفسيرًا قبليًّا الفشلَ المتكرِّرَ في علاقاتهم بالحاشية. وجاء الاقتران بين التيّار الإسلاميّ الداخليّ والتيّارات الجهاديّة الراديكاليّة الخارجيّة لينضاف إلى عوامل زعزعة الاستقرار التي ستطيح به. وفي الثامن من يونيو 2003، كادت محاولة انقلابيّة أن تستولي على الحكم، وقد قادها الرائد "المُسرّحُ" صالح ولد حننا، باسم تنظيم يسمّى "فرسان التغيير."

ومهما تكن الخلفيّات الإسلاميّة ــــ القوميّة العربيّة لمن قاموا بمحاولة التمرّد هذه، فقد رُبطتْ سريعًا بقادتها البارزين وانتماءاتِهم القبليّة.(52) وقد قمعتْها السلطاتُ الطائعيّةُ على هذا الأساس، إذ ستستهدف الاعتقالاتُ والإقالاتُ من الجيش أبناءَ عمومة صالح ولد حننا بشكلٍ خاصّ. ولن يَحُول القمعُ بين "فرسان التغيير" وسعيهم مرّةً أخرى إلى الإطاحة بولد الطايع بواسطة العمل المسلّح، وذلك بتاريخ الثالث من أغسطس 2004، ولكنهم سيُمنون بفشل جديد.

تآكلٌ أكيد، وتراكمٌ للأحقاد الناشئة عن القمع على جميع الصعد، وإحباطٌ اقتصاديّ يشعر به المحرومون من اليانصيب القبليّ الذي يوزِّعه السلطان، في ظلّ شهيّةٍ استثارها الحديثُ عن اكتشاف مواردَ نفطيّةٍ بُولِغَ في تقدير حجمها:(53) هذه هي بعض العناصر التي طبعت الأشهرَ الأخيرةَ من نظام العقيد الرئيس. وقد زاد ظهورُ الإرهاب في موريتانيا(54) من هشاشة جهازٍ يعتمد في رصيده الخارجيّ أساسًا على ضماناتِ انضباطٍ وصرامةٍ عَرف كيف يُقدّمها إلى "المجموعة الدوليّة" في حربها ضدّ "الإرهاب."(55) ولقد أطاحت بمعاوية ولد الطائع، في 3 أغسطس 2005، وحدةٌ "انكشاريّةٌ" كان قد بَذلَ عنايةً كبيرةً في بنائها على أساس ولائها الشخصيّ له.

كانت كتيبةُ الحرس الرئاسيّ، التي أنشأها ولد الطايع سنة 1989، الفاعلَ الرئيسَ في هذا الانقلاب. وقد أصبحتْ وحدها تقريبًا ذاتَ جاهزيّةٍ داخل الجيش الموريتانيّ، إذ تتمتّع بمعدّات وبظروفٍ ماديّةٍ مغايرةٍ تمامًا لبقيّة أفراد الجيش، الذين يعيشون في ظروفٍ أقربَ إلى التشرّد. وكانت قيادةُ الكتيبة، ساعةَ الانقلاب، عند محمّد ولد عبد العزيز، الذي كان ــــ كما ستُظهر التطوّراتُ اللاحقة ــــ هو الفاعلَ الحاسمَ في الإطاحة بولد الطائع. ولكنْ ظهر إلى جانبه، أو أعلى منه، ابنُ عمّه العقيد أعلى ولد محمّد فال، الذي كان مديرًا عامًّا لأمن ولد الطائع طوال عشرين عامًا. وينتمي الرجلان إلى إحدى أقوى القبائل الموريتانيّة المشتغلة بالتجارة؛ ويمكن التقديرُ أنّ الخصومات الاقتصاديّة بينها وبين قبيلة الرئيس المخلوع، التي ينتمي إليها بعضُ أثرى أثرياء موريتانيا، لم تكن غائبةً عن التصوّرات التي قادت إلى الانقلاب، وإلى التطوّرات اللاحقة التي سيؤدّي إليها لا محالة. ومن البديهيّ أنّ النسبة العظمى من أولئك الذين أذاقهم معاوية ولد الطائع الأمرّيْن تلقّوْا نبأ الإطاحة به من دون أن يُبدوا أيَّ أسف؛ وقد انضافت إليهم، وبشكلٍ شبهِ فوريّ، وتحت قيادة أنصاره الأكثر حماسًا بالأمسِ، الموجاتُ السلطانيّةُ للرعيّة التي تُبدِّل (موقّتًا) وجهتَها. وإذا استثنينا بعضَ الإجراءات "التصحيحيّة" ذاتِ الطبيعة الماليّة لصالح سادة اللعبة الجُدد، فإنّ السلطات الجديدة، بقيادة العقيد أعلى ولد محمد فال، بدت وكأنّها تريد إعطاءَ ضماناتٍ بالطابع الانتقاليّ لحكمها في هذه الأزمنة، التي يبدو فيها أنّ إطاحة السلطات "الشرعيّة" قد تحمل - على الأقلّ من وجهة النظر الدوليّة - بعضَ المخاطرة... خصوصًا إذا وضعنا في الحسبان أنّ ثلاثة عقود من النضالات السياسيّة، تخلّلتها اغتيالاتٌ واعتقالاتٌ وعملياتُ تعذيب، قد ساهمتْ في ظهور فعلٍ سياسيّ متداخل مع النسيج القبليّ العرقيّ والجهويّ: فقد برز بعضُ السياسيين المحترفين الذين بدأوا في اعتماد أجندات حزبيّة، مبنيّةٍ في الغالب حول أشخاصهم، وتسهم خلافاتُها وانشقاقاتُها وتحالفاتُها وانفصالاتُها في بروزِ حقلٍ سياسيّ(56) مستقطب عن طريق المنافسات الانتخابيّة، ولو كانت مختلّةً.

على كلّ حال، بدا انقلابُ 2005 وكأنه يشكّل قطيعةً حقيقيّةً مع التقاليد الانقلابيّة السابقة في الممارسة السياسيّة. فقد فتح البابَ أمام تعدّديّةٍ غير مسبوقة في الآراء، تجلّت في تكاثر وسائل الإعلام المستقلّة، وفي إقامة "الأيّام التشاوريّة الوطنيّة،" حيث نوقشتْ بحريّةٍ جميعُ القضايا الوطنيّة الكبرى ("الإرث الإنسانيّ" لسنوات ولد الطائع، عودة المبعَدين سنة 1989، مسألة العبوديّة،…). وقد حدّد "المجلسُ العسكريّ للعدالة والديمقراطيّة،" وهو الهيئة التي قادت الانقلابَ، فترةً انتقاليّة، مُدّتُها سنتان، يتعهّد عند اتتهائها بتسليمِ الحكم إلى السلطات المنتخبة ديمقراطيًّا، تحت إشراف لجنةٍ مستقلّةٍ للانتخابات، وبمساعدة مراقبينَ دوليين (الاتحاد الأوروبيّ خصوصًا). كما أعلن أنّه لا يمْكن أيًّا من أعضائه أو أعضاء الحكومة الانتقاليّة، التي عيّنها، الترشّحُ إلى أيّ من الوظائف الانتخابيّة المحدّدة في الدستور (نوّاب، شيوخ، رئيس الجمهوريّة).

وستتمّ المصادقة فعلًا، عبر استفتاءٍ شعبيّ، على دستورٍ مستوحًى بشكل كبير من دستور الجمهوريّة الفرنسيّة الخامسة، مع زياداتٍ في صلاحيّات الرئيس. وقد أجريت انتخاباتٌ تشريعيّة، طبَعَها دعمٌ مكتومٌ من طرف العسكر للمرشَّحين "المستقلّين" ــــ أي الذين لم يترشّحوا باسم أيٍّ من الأحزاب المعترف بها، ولكنّهم في الواقع امتدادٌ طبيعيٌّ لنفوذ وجهاء الفترة الطائعيّة. وجرت هذه الانتخابات في ظروفٍ اعتبرتْها مقبولةً كلُّ المجموعات المتنافسة، على الرغم من بعض الاتهامات التي وجّهتها أحزابُ المعارضة التقليديّة إلى أعضاء المجلس العسكريّ بتقديم "تشجيعاتٍ" سخيّةٍ "للمستقلّين." وأيًّا يكن الأمر، فقد حلّ هؤلاء في المركز الأوّل، حاصدين 41 مقعدًا من أصل مقاعد الجمعية الوطنيّة الـ 95. وسيشكّلون مع حلفائهم(57) غالبيّةً في الجمعيّة الجديدة. وأمّا "المعارضة التقليديّة،" وهي تجمّعٌ من عدّة أحزاب،(58) فقد حصدتْ ما يربو على الثلاثين مقعدًا.

أمّا بخصوص الانتخابات الرئاسيّة، فقد دَفَع تحالفُ مصالحَ غيرِ متجانسةٍ، يشجّعه بعضُ الأعضاء النافذين في المجلس العسكريّ، بوزيرٍ سابقٍ في حكومات ولد داداه وولد الطائع، يعيش منذ أكثر من عشرين سنة في الخارج، إلى الترشّح، هو سيدي ولد الشيخ عبد الله - الذي لم تُعرفْ عنه سوابقُ في العمل السياسيّ، ما عدا صفة الوزير السابق. ويبدو أنّ الهدف من اختيار هذه الشخصيّة البعيدة عن الأضواء، ولا تملك قاعدةَ مناصرين، وقُدّمتْ إلى الناخبين بوصفها "الرئيس المُؤتمَن،" قد قطعَ الطريقَ أمام ترشّح الشخصيّة الأبرز في المعارضة، أحمد ولد داداه،(59) الذي لم يكن محمّد ولد عبد العزيز، وهو الضابطُ الأقوى نفوذًا في المجلس العسكريّ، يرغب ــــ كما يُقال ــــ في رؤيته على رأس البلاد، مهما كان الثمن. وعلى إثر الشوط الأول، الذي شهد تنافسَ ما يناهز عشرين مرشّحًا، جاء سيدي ولد الشيخ عبد الله في المقدّمة بنسبةٍ تقارب 25% من الأصوات، متبوعًا بأحمد ولد داداه (21%)، والزين ولد زيدان (15%)،(60) فمسعود ولد بلخير(61) (10%). واستعدادًا للشوط الثاني، جرت مساوماتٌ ومفاوضاتٌ، خَيّم عليها شبحُ ضبّاط المجلس العسكريّ، فقرّر الزين ومسعود دعمَ سيدي ولد الشيخ عبد الله ــــ مع أنّ الأخير مُوقِّعٌ على اتفاقٍ مع ولد داداه ــــ مقابل تولّي الأوّل منصبَ الوزارة الأولى، وتولّي الثاني رئاسةَ الجمعيّة الوطنيّة (مع أنّ حزبه لا يملك إلّا خمسةَ نوّاب) وحصولِ حزبه (التحالف الشعبيّ التقدميّ) على أربع حقائب وزاريّة. وهذا هو، على الأقلّ، ما يتعلّق بالجانب الظاهر من الصفقة.

بعيْد الانتخاب، وضع سيدي ولد الشيخ عبد الله موضعَ التنفيذ الاتفاقَ الموقَّع، بتحريضٍ ــــ كما يُزعم ــــ من العقيد محمّد ولد عبد العزيز، الذي حرص على ترقيته إلى مرتبة جنرال. وهكذا عيّن الزين ولد زيدان وزيرًا أوّلَ، وأصبح مسعود ولد بلخير رئيسًا للجمعيّة الوطنيّة، بفضل أصوات النوّاب "المستقلّين،" الذين أصبحوا "أغلبيّةً رئاسيّة." ولكنّ الرئيس المنتخب بدأ أيضًا يعمل بالتدريج لحسابه الخاصّ سياسيًّا، تدفعه إلى ذلك، كما تقول الشائعاتُ، زوجتُه النافذةُ وقدماءُ الكادحين من حزب اتحاد قوى التقدّم(62) (وفق تأكيدات خصومهم)، الذين أغْرتهم، من بين أمورٍ أخرى، الجهودُ التي بذلها تجاه ضحايا التجاوزات العِرقيّة بين العامين 1989 و1991. فقد كلّف رجلًا محسوبًا عليه، هو يحيى ولد أحمد الوقف، الوزيرُ الأمين العامّ لرئاسة الجمهوريّة ــــ وسبق أن عهد إليه بملفٍّ حسّاس، هو ملفّ اللاجئين الموريتانيين المبعدين إلى السنغال سنة 1989 ــــ بتأسيس حزبٍ للرئيس، اعتمادًا على النواب "المستقلّين." وقد عقد هذا الحزب (العهدُ الوطنيّ للديمقراطيّة والتنمية ــــ عادل)، الذي ظهر بشكلٍ كبيرٍ وكأنّه انبعاثٌ لحزب ولد الطائع الجمهوريّ، اجتماعًا لمجلسه الموقّت الذي يضمّ 300 عضو، في فبراير 2008، تحضيرًا لتعديلٍ حكوميّ، سيحملُ رئيسَه، ولد الوقف، إلى رئاسة الحكومة، ليحلَّ محلّ الزين ولد زيدان (في 6 مايو 2008).

عند إنشاء "حزب الرئيس،" لم تتوقّفْ نزعاتُ استقلال ولد الشيخ عبد الله عن "مرشديه" من ذوي البزّات، ولا هو نقضَ العقدَ الانتخابيّ المُبرَم بين شوطي الرئاسيّات. فإذ عَيّن ولد الوقف على رأس الحكومة، فإنّه حَضّر معه تشكيلَ فريقٍ حكوميّ ــــ هو الأضخمُ في تاريخ موريتانيا (32 وزيرًا) ــــ كان يطمح إلى أن يضمّ كلَّ القوى السياسيّة ذات الثقل. وإذا كان حزبُ أحمد ولد داداه (تكتّل القوى الديمقراطيّة) قد رفض المشاركة، فسنجد في هذه الحكومة، إلى جانب الوجوه البارزة لنظام ولد الطائع (الذين يسمّيهم رجلُ الشارع "رموزَ الفساد")، أعضاءً من حزب مسعود ولد بلخير (التحالف الشعبيّ التقدميّ)، ونائبَ رئيس حزب اتحاد قوى التقدّم ومناضلين آخرين من هذا الحزب، مع ممثليْن عن حزب "تواصل" الإسلاميّ "المعتدل."

وعلى ما يبدو، فقد جاء إعلانُ هذه الحكومة في 11 مايو 2008 ليؤكّد للجنرال محمّد ولد عبد العزيز ــــ الحديثِ عهدًا بهذه الرتبة ــــ ولتابعيه في الجيش إرادةَ "تمرّدٍ" جليّةً من جانب سيدي ولد الشيخ عبد الله. فقد بدا أنّ عودة الوجوه البارزة ما قبل انقلاب أغسطس 2005 قد تؤثّر في (أو تضرُّ بـ) ما كان سيجنيه العملاءُ القبليّون للجنرال وحلفائه من فوائد جرّاء "إعادة التوازن" إلى ميزانٍ ظلَّ طويلًا يميلُ لفائدة منافسيهم الاقتصادييّن في عهد ولد الطائع (وبخاصةٍ لفائدة قبيلة الرئيس السابق نفسه، أي السماسيد).(63) ولا شكّ في أنّ حضور الحزبيْن "الإيديولوجيّيْن" (اتحاد قوى التقدّم وتواصل) البعيديْن عن دائرة نفوذ الجنرال، الذي بدا وكأنه يُبرِمُ تحالفًا التفافيًّا ضدّ "المستقلّين" المحسوبين عليه، بدا بغيضًا جدًّا بالنسبة إليه، ولا سيّما أنّ قضيّة عودة لاجئي 1989، المدعومةِ بقوةٍ من اتحاد قوى التقدّم، تصحبُها دعواتٌ وخطاباتٌ متشعّبة عن ملفّ "الإرث الإنسانيّ،" لا يملك العسكرُ الضالعون في الإعدامات التي وقعت في التسعينيات أدنى رغبةٍ في تحريكها.

تلك كانت بعضَ عناصر المشهد التي ينبغي وضعُها في الحسبان إذا حاولنا أن نفهم التصعيد الذي قاد إلى انقلاب 6 أغسطس 2008.

وعلى ما يبدو، فابتداءً من اللحظة التي بدأ فيها الرئيس، الذي أنجحه العسكريّون في الانتخابات، يعتقدُ أنّ في إمكانه الخروجَ ولو جزئيًّا عن وصايتهم، كان مصيره قد حُسِم. وقد بدأ الانقلاب عليه بضجّةٍ أقامها النوّابُ "المستقلّون" حول مشروع ملتمسِ رقابةٍ(64) يهدفُ إلى إسقاط الحكومة، التي أثارت تشكيلتُها استياءَ حُماتهم "المستترين." فلا أحد في الواقع كان يشكُّ في أنّ محمّد ولد عبد العزيز هو مَن يقف خلف هذه الضّجة. بل يمكننا، إذا أخذنا في الاعتبار التردّدَ الذي أبداه العسكر إزاء الانسحاب من الساحة السياسيّة إبّان الانتخابات الرئاسيّة، أنْ نتساءل ما إذا كنّا أمام سيناريو طُبخ على نارٍ هادئةٍ منذ تلك الفترة. ومهما يكن من أمر، فقد بدا أنّ في مقدور مشروع ملتمس الرقابة الاعتمادَ على دعم نوّاب التكتل، الذين ربّما ارتاحوا إلى زيادة الشقاق في صفوف المعسكر الرئاسيّ، خصوصًا أنّهم لم يستفيدوا من توزيعِ الحقائب الوزاريّة، الذي طاول رفاقَهم السابقين في "المعارضة الديموقراطية،" تواصل واتحاد قوى التقدم، اللذيْن التحقا بالتحالف الشعبيّ التقدميّ في معسكر ولد الشيخ عبد الله. وبهذا ضَمِنَ الملتمَسُ الحصولَ على أغلبيّة الأصوات في البرلمان. وبالتوازي مع ذلك، حرّك خصومُ الرئيس المنتخب شبحَ لجنةِ تحقيقٍ في تصرّفات زوجته الماليّة، عبر الهيئة التي كانت قد أنشأتها، وفي تسييره، وتسييرِ رئيس مجلس الشيوخ (الشخصيّة الثانية في الدولة، والخليفة المحتمل للرئيس في حالة عجز هذا الأخير) الذي كان متردّدًا في الاستجابة لطلبات الالتحاق بمخطّط التآمر على الرئيس.

لقد نضجت الطبخةُ باكرًا. فبين سفريْن إلى الخارج، ألقى سيدي ولد الشيخ عبد الله خطابًا متلفزًا إلى الأمّة، قرّع فيه النوّابَ المنشقّين، وهدّد ــــ وهذا من ضمن صلاحيّاته التي يكْفلها له الدستور ــــ بحلّ البرلمان إذا واصل "المستقلّون" المنشقّون رفضَ الحكومة التي كلّف ولد الوقف برئاستها. ولكنّ صدقيّة هذا التهديد مشكوكٌ فيها؛ فحظوظُ سيدي ولد الشيخ عبد الله في الفوز بأغلبيّةٍ "خاصّةٍ به" ضعيفة إنْ أُجريت انتخاباتٌ تشريعيّةٌ جديدة، نظرًا إلى حداثة "ماكينته" السياسيّة الهشّة، ونظرًا إلى الدعم الذي سيظلّ العسكرُ يقدّمونه بسخاء إلى "مستقلّيهم،" وهم سندُه البرلمانيّ الوحيد. ولا شكّ في أنّ الصورة كانت واضحةً لديه، لأنّه في ذلك اليوم، 2 يوليو، أقالَ الحكومةَ التي يَعترض عليها العسكرُ ونوّابُهم، ولم يكد يمرّ عليها شهران، واحتفظ بولد الوقف في منصب الوزير الأوّل. ولا شكّ في أنّ تعويله، لكسب الوقت، على العطلة البرلمانيّة، التي تدوم ثلاثة أشهر، وكانت ستبدأ في 11 يوليو، هو ما جعل الرئيس يُعلن تشكيلةَ الحكومة الثانية في 15 يوليو؛ وهي حكومةٌ لا طعم لها، خاليةٌ من كبار رموز الطائعيّة ومن ممثّلَي المعارضة السابقة (تواصل واتحاد قوى التقدم) الذين كان الرئيس ووزيرُه الأول قد جلباهم.

هذا التراجع، وذاك الإقرارُ بمحدوديّةِ هامش المناورة الذي يملكه ولد الشيخ عبد الله في مواجهة ولد عبد العزيز، والضجّة التي أقامها هذا الأخير، لم تَمنح ولد الشيخ عبد الله إلّا قليلًا من الراحة. فهاهم النوّابُ المعادون له، الذين يزداد عددُهم مع ازدياد حدّة صراعه مع ولد عبد العزيز، يُطالبونَ بدورةٍ برلمانيةٍ استثنائيّة، وذلك أساسًا من أجل تكوينِ لجانٍ، على الرئيس ألّا يتوقّع أن يسمعَ منها أشياءَ إيجابيّةً (إذ يتعلّق الأمر بمراجعة حساباته وحسابات زوجته، إلخ). ومن البديهيّ أنّ سيدي ولد الشيخ عبد الله لم يكن ليرجوَ أيَّ فائدة من التنازل والقبول بافتتاح هذه الدورة، التي كان استدعاؤها من صلاحيّاته الدستوريّة الحصريّة. وكانت الأوضاع تبدو مسدودةً. وغنيّ عن القول إنّ الحكومةَ، ومنذ زمنٍ طويل، لم تكن تقوم بأيّ نشاطٍ ذي بال. وستأتي نهايةُ القصة صبيحةَ 6 أغسطس 2008، عندما أُعلنَ باكرًا عن إقالة الرئيس لقادة الهيئات العسكريّة الرئيسين، وبخاصّةٍ إقالة الجنرال محمّد ولد عبد العزيز، قائدِ كتيبة الحرس الرئاسيّ. وقد أعطى هذا القرار إشارةَ إلاطاحة بالرئيس المنتخب سنة 2007 من طرف قائد الحرس الرئاسيّ.

تلك هي باختصارٍ أبرزُ المنعرجات التي قادت إلى استعادة حكم العسكر، بعد فاصلٍ قصير، تطبعه الفوضى، قاده سيدي ولد الشيخ عبد الله. ورغم التحرّكات الواسعة نسبيًّا - والشجاعة - التي قام بها معارضو الانقلاب طوال السنة التي تلت الانقلاب في 6 أغسطس، فإنّ التنازلات الشكليّة، التي قبل بها مدبِّرُ هذا الانقلاب، لم تكن لتعرقلَ مسيرتَه المظفّرة نحو "الحصول على شرعيّة" صناديق الاقتراع في 18 يوليو 2009. ويبدو أنّ عهدًا سلطانيًّا جديدًا، يشكّل امتدادًا للتعدديّة الأحاديّة اللونِ التي أقامها ولد الطائع فيما مضى، يفتح أبوابَه على خلفيّة تصفية حسابات قبليّة وماليّة.(65)

ولكنْ لا بدّ لي من خاتمة. ما أردتُ بيانَه في الصفحات السابقة يمكن إيجازُه حقيقةً في ملاحظةٍ بسيطةٍ جدًّا. وهي أنّه إذا كان في إمكان الجيش، وهو النموذج المثاليّ للمؤسّسة الشاملة، أن يبدو في المجتمعات ذاتِ التقاليد الدولتيّة والبيروقراطيّة الراسخة وكأنّه يشتغل كمجتمعٍ داخل المجتمع، فإنّه في المحيط الموريتانيّ، حيث زراعةُ الدولة حديثةٌ، يشكّل نموذجًا مصغّرًا للمجتمع الكبير. في الحالة الأولى، توجدُ "مجموعة عسكريّة" منظّمة حول مؤسّساتٍ وقيمٍ، تمنحُ كلَّ مَن ينتمون إلى جهاز "الأسرة" العسكريّة تفرّدًا مميّزًا ومعترَفًا به. ويُبنى هذا التفرّد من خلال عزلةٍ جغرافيّة (أزياء موحَّدة، مناطق سكنيّة، نوادٍ، "أماكن ذكريات"، احتفالات... إلخ) ومعنويّة ("الشرف العسكريّ" المرتبط ارتباطًا قويًّا بـ"الوظيفة" والتراتبيّة وبقيم العسكريّة والتضحية: الشجاعة، الرجولة، روح الجماعة، أخوّة السلاح، الوطنيّة... إلخ). ففي الديمقراطيّة الليبراليّة، حيث الجيشُ هو الوصيُّ على إرثٍ تاريخيّ يستمدُّ منه في مقابل ذلك عراقتَه (النصب التذكاريّة، التماثيل، أسماء الأماكن التذكاريّة، إلخ...)، يُقصى الجيشُ من اللعبة السياسيّة الداخليّة، فيُحصر، كما يقال، في فضاءاته الجغرافيّة ومؤسّساته الخاصّة، من أجل غرضٍ وحيد، هو التخصّص في الدفاع عن الأمّة وحمايتها. أمّا في الحالة الثانية، أي الحالة الموريتانيّة، فإنّ العسكر هم، قبل كلّ شيء، أبناءُ قبائلهم وعرقيّاتهم. وكما قال مونتسكيو(66) فإنّ العسكر لا يحتاجون أبدًا إلى "الفضيلة" أو "الشرف" لكي يضعوا أنفسَهم في خدمة استبداديٍّ طامح، أو سلطانٍ ما. أمّا لجلب الولاء في تراب البيظان، فحسبُ المستبدّ دافعان بديهيّان لا ثالث لهما: الخوفُ والطمع.

جريدة الآداب اللبنانية

عودة للصفحة الرئيسية