أزمة الطبقة الوسطي في العالم العربي

الاثنين 10-04-2017| 14:49

بقلم: عبد الصمد ولد أمبارك

الطبقة الوسطي هي الفئة الاجتماعية التي تقع في وسط الهرم الاجتماعي، بل هي الطبقة التي تأتي اقتصاديا واجتماعيا بين الطبقة العاملة والطبقة العليا ،حسب عالم الاجتماع الألماني ماكس فبير،علي الرغم من اختلاف مقاييس تحديد الطبقة المتوسطة باختلاف عوامل الثقافة، وفقا لخصوصية كل مجتمع علي حدة. حيث تشكلت النخب في مجمل البلدان العربية، انطلاقا من حيثيات منفردة طابعها العام التماثل والتماسك وفقا للقواسم المشتركة الموحدة داخل مزاج مصلحي تكاملي و شمولي.
في ظل أجواء التحول السياسي في المنطقة العربية ، باتت الطبقة الوسطى عنواناً مهماً، فالأمل معلق بالدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الفئات للتوصل إلى توازنات جديدة. وفي هذا الإطار، يجري الحديث عن الطبقات الاجتماعية وما يرتبط بها من توزيع للدخل من دون وجود معايير واضحة تمكّن صانع السياسة في الدول العربية من استهدافها والحفاظ على وضعها أو تحسين ذلك الوضع. وتركز معظم السياسات الاجتماعية المتداولة، على الفقر ومحدودي الدخل وسبل مساعدتهم. في هذه الأثناء تتعرض الفئات التي يمكن وصفها بـالمتوسطة الدخل للتناسي، وهي ليست بعيدة عن خط الفقر بالضرورة، لكن سلوكياتها الاجتماعية والسياسية ونمط استهلاكها الاقتصادي يجعلها في مصاف آخر أكثر تعرضا للتقلبات الاحتجاجية.
لقد صنع مجمل القادة العرب أنظمة ريعية ،أشتروا من خلالها الولاء عبر تقديم الخدمات المتمثلة في التوظيف في مصادر القرار علي حساب الكفاءات للطبقات العريضة المهمشة ،حيث أصبحت النخب متحجرة لا تريد التخلي عن حياتها التي تعج بالامتيازات ،بل أصبحت هذه الطبقات تقاوم الإصلاحات السياسية من أسفل الهرم و تعارض في الكثير من الحالات القادة الذين أغنوها، عندما يفكر هؤلاء بالقيام بإصلاحات قد تتعارض و المصالح الضيقة الذاتية.


يتعلق النمط الاقتصادي المستهدف بطبيعة الإنفاق، مثلاً، أي كيف تنفق العائلات الدخل المتحصل عليه وتقسيمه بين الحاجات الأساسية مثل الطعام والشراب، والملبس والمسكن، وتخصص ما فاض عن ذلك للتعليم أو لأغراض الرفاه الاجتماعي مثل السفريات السياحية. وطبيعي أنه كلما ارتفعت النسبة المخصصة للتعليم والترفيه، يصبح وصف الطبقة الوسطى أكثر دقة. وللتوصل إلى هذه التصنيفات، ثمة حاجة إلى كثير من البيانات التي لا تتيحها الدول العربية للباحثين الراغبين في دراسة أنماط الإنفاق في مجتمعاتهم، أو على الأقل، كانت هذه هي الحال إلى ما قبل الربيع العربي الذي كثر فيه الحديث عن الطبقة الوسطى ودورها، لكن من دون تحديد واضح عن أي الفئات الاجتماعية نتحدث.
في ظل انتشار الفساد و الظلم الاجتماعي في توزيع الثروة و قمع الحريات، التي تعتبر عوامل مشتركة في كل ثورات الربيع العربي، مما ولد حتمية الطبقة الوسطي في قلب الأحداث العربية، نتيجة حجمها المتفاقم و العريض داخل بنية المجتمع العربي حيث وصلت ستة و ثلاثون في المائة.
فهناك عدد من الحقائق التي ارتبطت بالطبقة الوسطى خلال العقدين الماضيين، تتعلق الأولى بتراجع دور هذه الفئات المجتمعية وزيادة الضغوط الاقتصادية عليها، والعديد من أبناء هذه الفئات تراجعت أحوالهم بفعل السياسات الاقتصادية التي اتُبعت منذ بداية تسعينات القرن الماضي.
أي منذ عهد الإصلاحات الهيكلية ،التي ارتمت في أحضانها معظم البلدان العربية بالشراكة مع مؤسسات أبريتون وودس . الشيء الذي نجمت عنه هزات عنيفة لمعظم اقتصاديات البلدان النامية،و كرس العديد من المظاهر في مقدمتها زيادة أعداد الفقراء في العديد من الدول العربية،خاصة منطقة شمال إفريقيا.
كذلك لم يشهد توزيع الدخل في الدول العربية وفقاً للمقاييس الفنية التي توظَّف، تحسناً مرتبطاً بمستويات النمو، مما يشير إلى أن الهوة بين الفقراء والأغنياء في اتساع وأن الفئات التي تقع في المنتصف لم ترفع حصتها من الثروات في مختلف البلدان العربية علي الإطلاق.ذالك كون البشرية حاليا تعيش مرحلة اقتصادية و اجتماعية جديدة،تجعل المعرفة موردا تسعي المجتمعات لاكتسابه مهما كان حجم الثمن،مما يقتضي بالضرورة إعادة صياغة السياسات المجتمعية قصد تكييفها مع واقع المرحلة الراهنة،رغم التمييز الحاصل في خلق الحكامة الرشيدة مع فقدان الآليات الكفيلة بتحقيق العدالة في إشراك كافة الفئات و النخب في عملية التحديث السياسي و الاقتصادي التي قلما شابها الإكراه المرتبط بالاحتكار الممنهج و الموجه نحو فئات أقل تمثيلا .الشيء الذي يقود لا محالة إلي العصيان و التمرد داخل المنظومة الواحدة ،علي الرغم من تحكم الفوارق الاجتماعية، المتمثلة في القبلية و الجهوية في بنية هشة قابل للتغيير مع إحداث الصدمة الموازية.
وليست واضحة في الدول العربية أسس التحولات المجتمعية والطبقية، فالتعليم الذي يعتبر مفتاحاً لإحداث ذلك التحول، فقد دوره المهم، فالبطالة مرتفعة والدخول إلى سوق العمل لم يعد مدخلاً لإحداث ذلك التحول إلا في ما ندر من وظائف، لم يمكن للفقراء ومحدودي الدخل الاستفادة منها. وواضح أن هناك دوراً مطلوباً من تلك الفئات المتوسطة الدخل، لكن السياسات الحكومية العربية المتبعة لا تذهب في اتجاه تعزيز وضع تلك الفئات، بل المطلوب أكثر استغلالها من الجهة السياسية من دون منحها هامشاً للتحرك لتحديد مطالبها، لكن كثيراً من تلك الفئات التي تشمل الموظفين والمحامين والمهندسين والأطباء، مثلاً، بدأت تتحرك على أسس مطلبية ، فالمسألة ببساطة تتعلق بإيجاد عمل وتأمينات صحية واجتماعية تتميز بالاستقرار و الاستمرار.


فتجميع مختلف الفئات و الطبقات الاجتماعية من خلال هيئات رسمية وتشجيعها على الانخراط في العمل السياسي و التنموي، يعد في حد ذاته الخطوة الأولى اتجاه إعادة الاعتبار للطبقة الوسطى التي يتحدث عنها كثيرون، لكنهم يعجزون عن تحديد ماهيتها. كذلك سيؤسس تأمين ظروف العمل اللائق والحماية الاجتماعية اللازمة لنمط جديد من العلاقات بين أصحاب العمل والعمال والدولة والمجتمع. وبهذه الطريقة يمهد لإعادة بناء الفئات التي تشكل عماد المجتمع وتشكّل أساساً للاستقرار وتفتح نوافذ التغيير البناء، المنشود في عالمنا العربي. كون موجة الأمل في التغيير التي اجتاحت مختلف أنحاء المنطقة العربية منذ سنوات إنتفاضة الشارع العربي ،ناتجة عن صحوة الطبقة الوسطي التي أدركت حالتها المأساوية نتيجة الدوران في المقايضات الطويلة التي سرعان ما تحولت إلي فوضي عارمة.
اليوم يبدو السبيل الوحيد لضمان الأمن و الاستقرار هو إشراك الطبقة الوسطي في رسم ملامح هذا المستقبل، لكونها تمتلك المفاتيح السياسية و الاقتصادية و الثقافية للتحولات المنشودة لتحقيق السلام، الضامن لديمومة الأنظمة السياسية القائمة.


عودة للصفحة الرئيسية