انفراج في العلاقة بين موريتانيا وغاميا عمر البشير: سأتنحى 2020 وأدعم "أيلا" في انتخابات الرئاسة أول ظهور علني لموغابي بعد سيطرة الجيش على السلطة في زيمبابوي استعراض لتاريخ الحركة الطلابية بأسبوع الدخول الجامعي الثامن الجزائر تتراجع عن قرار منح رخص لتأسيس قنوات تلفزيونية خاصة المغرب: استنفار أمني في مراكش لهذا السبب وزراء يعلقون على نتائج أعمال مجلس الوزراء نتائج اجتماع مجلس الوزراء مشروع قانون يعدل المادة 306 من القانون الجنائي الرئيس عزيز يستقبل قياديا بارزا في جبهة البوليساريو

مفارقة انهيار دولة القانون على يد القضاء!!

الاثنين 10-04-2017| 14:09

محمد المختار ولد بلاَّتي: mokhtarballaty@gmail.com

أحياناً يُحس المرء بالدهشة عندما يجري الحديث في ظل دولة القانون عن مفاهيم أنثروبولوجية غابرة، تناقض مفهوم الدولة، مثل القبيلة، لكنَّ الإحْساس نفسه، تثيره لوعة الظلم، لاسيما عنما يرعاه من يحكمون باسم العدالة ودولة القانون !!
ما يجري اليوم من أحداث في الولاية الأولى، عاصمة الشرق الموريتاني، ينذر بانهيار كل المكتسبات الإسلامية والحضارية والدستورية لأمتنا، وعلى رأسها دولة القانون، والمفارقة أنَّ هذا الانهيار يأتي ـ حصراً ـ بسبب انحياز القضاء الذي كان ومنذ فجر التاريخ ملاذاً للضحايا وجهازاً راسخاً للعدالة، تطور إلى سلطة ثالثة مستقلة من سلطات الدولة.
لكنَّ أحكام محكمة النعمة الأخيرة، وما تضمنته من تنكيل بالضحايا انتصاراً للمعتدين، كشفت عن استهتار ممنهج من قضاة المحكمة بدستور البلاد ومبادئ العدالة ودولة القانون والمنطق السليم، في تمش غريب لتشجيع النعرات والعودة إلى عصر الانتقام.
لا أعتقد أنَّ هذه السابقة هي الأولى من نوعها، ولكنها الأشد مرارة نظراً إلى ما يشوبها من طابع عنصري، ذلك أنَّ أغلب الضحايا ـ وهذا أمر مسكوت عنه ـ هم من شريحة لَحْراطين التي تعرَضت للظلم التاريخي، ولربما يراد استهدافهم مرة أخرى من خلال القضاء.
إنَّني بقدر ما لا أشك في الاستقلالية النظرية للسلطة القضائية، المستمدة منَ الدستور والتي تضمن للقضاة الحماية من أيِّ ضغط خارجي، فإنني على يقين من أنَ هذه الاستقلالية لا تضمن عدم الانحياز الذاتي من القضاة أنفسهم، إذ هناك فرق كبير بين حياد القاضي واستقلالية القضاء.
لقد برهنت الأحكام الأخيرة على صحة الادعاءات الشائعة بين المواطنين بشأن انحياز القضاة وحتى غياب الثقة في القضاء الموريتاني، لقد كانت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان جريئة بما فيه الكفاية، عندما أعربت بصراحة عن قلقها من سلبيات القضاء الموريتاني المرتبطة بغياب النزاهة والحياد، كما ورد في تقريرها لعام 2013 ـ 2014 الموجود على موقعها : http://www.cndh.mr/&nbsp ; وهنا نورد حرفياً ما قالته اللجنة بهذا الخصوص (ص31 من التقرير) : ’’ قليلاً ما يكون المتقاضون على علم بحقوقهم وواجباتهم، زيادة على ذلك أنَّ النِّظام القضائي يُنظر إليه على أنَّه يتسم بعدم الشفافية، وهذا النظام القضائي بحاجة إلى ثقة المواطنين فيه‘‘. لعل هذه الشهادة من هيئة رسمية دستورية تابعة للدولة، لا تترك شَكاً حول غياب العدالة وانحياز القضاء في بلادنا، مما يبرر الخشية على دولة القانون، ليس من القبائل ولكن من القضاة أنفسهم.
وإذا كانَ القضاة غير قادرين على الحياد، لأيِّ سبب كان، وفي ظل نظام قانوني يتميز بعدم دقة القوانين، فإنَّ النَّتيجة هي سلطة تأويل قضائية لا حدود لها، تنتهي بتجاوز النصوص القانونية إلى الحكم الذاتي المَبنِي على الميولات الشَّخصية، وهذا ما يضر بسيادة القانون، وسيادة الشعب، و يشكل مَسَاساً بكل أبعاد ومقومات دولة القانون التي تعني في أبسط معانيها، قضاء نزيهاً ومستقلاً، يطمأن إليه الجميع في تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين.
عندما تنحدر الأمور إلى مستوى التحيز، فإنَّ رئيس الجمهورية، وبموجب الدستور يكون مسؤولا عن تلافي الموقف. أولم تنص المادة 89 من دستور 1991 على أنه ’’هو الضامن لاستقلال القضاء‘‘. أو لم تُوكل إليه المادة24 حماية الدستور وتجسيد الدولة؟
وهكذا ووفقاً لهذا المنطق الدستوري، فإن رئيس الجمهورية ـ مدعو الآن أكثر من أيِّ وقت مضى ـ وبموجب مسؤوليته القانونية والسياسية، ليس إلى التدخل لإنصاف ضحايا قضاة النعمة فحسب، وإنما إلى إعادة نظر شاملة في عمل القضاء لفرض الحياد على القضاة وتأديب أصحاب الشُّبه ممن يدنسون نقاءَ القضاء ويتسببون في ضرب قيم العدالة والانصاف الضرورية لاستقرار الدولة وللتعايش المشترك بين المواطنين. 
وختاما، لابد من التنويه إلى أنَّ الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل، وأنه عكساً لما يقال، بتصحيح الأخطاء تستعيد الدولة سلطتها وأسباب هيبتها، وكما قال أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه في رسالته إلى أبي موسى الأشعري بشأن القضاء ’’ ولاَ يمنَعكَ قضاءً قضيته بالأمس فراجعتَ فيه رأيك فَهُديتَ فيه لرشدك أن تَرجِع عنه، فإنَّ الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل‘‘.
ولله الامر من قبل ومن بعد


عودة للصفحة الرئيسية