تغييرات في الأفق



شهر الحسم فى موريتانيا



ماذا بعد سقوط التعديلات الدستورية؟



رهان التعديلات الدستورية



التقارب الإسلامي الصيني مفتاح إعادة إحياء طريق الحري



التقارب الإسلامي الصيني مفتاح إعادة إحياء طريق الحرير (الحلقة 1)



جيش للقبائل؟ الجيش والحكم في موريتانيا



التعديلات الدستورية ومبررات اللجوء إلى المادة 38 من الدستور



هل صحة المواطن في خطر...؟



إدارة اسنيم ومناديب العمال



نداء من مبادرة "الطليعة الجمهورية"



سيارة إسعاف مقابل التصويت بنعم على الدستور..



مستقبل أسعار خامات الحديد بعد التراجع الأخير

الأربعاء 5-04-2017| 19:00

د. يربان الحسين الخراشي

منذ منتصف شهر مارس المنصرم دخلت الأسعار في مسار تنازلي، حيث وصلت في تداولات يوم الجمعة آخر يوم من الشهر إلى 79.25 دولاراً للطن حسب مؤشر بلاتس (Platts)، واليوم وقت كتابة هذه المقالة وصلت الأسعار إلى 81.75, وهو ما يعنى أن أسعار خام الحديد قد تراجعت بحوالي 17% مقارنة مع أعلى سعر حققته في فبراير الماضي (95.05)، وفي ظل توقعات بحدوث الأسوء لا يسعنا إلا أن نتساءل : ماهو مستقبل أسعار خامات الحديد بعد التراجع الأخير؟


أسباب تراجع الأسعار


يعتقد بعض المحللين أن انخفاض الأسعار الحالي يعكس المخاوف بشأن الطلب الصيني نتيجة للزيادة القياسية في مخزون على مستوى الموانئ الصينية (أكثر من 135 مليون طن)، في ظل زيادة في الإنتاج الداخلي الصيني من المادة الخام بواقع 13.6% خلال يناير وفبراير من السنة الجارية.
كما ﻴﻌﺯﻱ بعض المحللين ﺘﺭﺍﺠﻊﺍﻷﺴﻌﺎﺭ ﺇﻟﻰ تراجع أرباح شركات الصلب الصينية، وتوجهها إلى شراء واستخدام الخامات ذات التركيز المنخفض والرخيصة مما خلق الحالة التشاؤمية الحالية للسوق.
وهناك فريق ثالث يعتقد أن السبب الرئيسي لتقلبات الأسعار مؤخرا يرجع أساسا إلى المضاربة في سوق العقود الآجلة خاصة في بورصتي سنغافورة وداليان الصينية (Dalian).


توقعات عالمية جديدة حيال الأسعار


توقعت مؤسسة باركليز العالمية (Barclays) في تقرير لها صدر مؤخرا أن يصل معدل سعر خام الحديد إلى 70 دولارا للطن خلال الربع الجاري، و 55 دولارا للطن خلال الربع الثالث من السنة، و 50 دولارا للطن خلال الربع الأخير .
كما توقعت شركة (BC Iron Limited ) الاسترالية أن تظل الأسعار محصورة بين 50 - 70 دولارا للطن خلال النصف الأول من السنة الجارية.
وخلال المؤتمر العالمي لتوقعات خامات الحديد والصلب(The Global Iron Ore & Steel Forecast Conference) المنعقد نهاية مارس المنصرم في أستراليا توقع السيد Li Xinchuang نائب الأمين العام لرابطة صناعة الحديد والصلب الصينية أن تبقى الأسعار خلال السنة الجارية بين 55 و 90 دولارا للطن.
وتوقعت سيتي غروب (Citigroup Inc) أن تنخفض الأسعار على المدى المتوسط إلى 50 دولارا للطن أو حتى 40 دولار للطن.


العوامل الأكثر تأثيرا على الأسعار حتى نهاية السنة


خلال مؤتمر منتدى الصين للتنمية(中国发展高层论坛) الذي انعقد في الفترة ما بين 18 و20 مارس المنصرم بحضور ما يقرب من 500 شخصية هامة من رؤساء الشركات متعددة الجنسيات العملاقة.
ذكر السيد جين سيباستين جاك (Jean-Sébastien Jacques) الرئيس التنفيذي لمجموعة ريو تينتو ( Rio Tinto Group) الأنجلو- أسترالية العملاقة أنه يعتقد أن هناك أربعة عوامل تعتبر الأكثر تأثيرا على مستقبل أسعار خامات الحديد خلال المتبقي من السنة الجارية ، من بينها ثلاثة عوامل مرتبطة بالصين :


العامل الأول : وضع الاقتصاد الصيني
وذكر أن آفاق التنمية الاقتصادية في الصين مبشرة، حيث أن الحكومة الصينية حددت معدل النمو المستهدف للعام الجاري بنحو 6.5% ، وهذا ما يعني المزيد من الطلب على الصلب، وبالتالي زيادة الطلب على المادة الخام خاصة في ظل وجود استثمارات صينية ضخمة في البنية التحتية.
العامل الثاني : سياسة إعادة هيكلة قطاع صناعة الصلب الصيني
تكافح الصين الآن من أجل خفض إنتاجها من الصلب، وقد استطاعت أن تخفض من طاقتها الإنتاجية بحوالي 65 مليون طن خلال السنة الماضية، وتخطط لتخفيض طاقتها من إنتاج الصلب خلال السنة الجارية بحوالي 50 مليون طن، ومع ذلك خفف السيد جين سيباستين جاك من تأثير سياسة خفض الإنتاج هذه، حيث يعتقد أنها ستؤدي إلى كنس المصانع الصغيرة الملوثة للبيئة ولن تؤثر على المصانع الكبيرة، بل اعتقد أنها قد تدفع أصحاب مصانع الصلب إلى توجه أكثر إلى استيراد الخامات عالية التركيز.


العامل الثالث :الإنتاج المحلي الصيني من خامات الحديد
يعتقد السيد جين سيباستين جاك أنه من الصعب جدا التنبؤ بحجم إنتاج الصين المحلي خاصة حجم إنتاج المناجم الصغيرة الذي كان قبل سنوات يبلغ حوالي 400 مليون طن سنويا، وحاليا يقدر بحوالي 270 مليون طن، وتساءل هل سيعيد تحسن الأسعار الأخير الحياة من جديد إلى هذه المناجم وتستأنف الإنتاج من جديد؟
وختم بالقول في نهاية المطاف يصعب علينا توقع مستقبل حجم الإنتاج المحلي الصيني هل سيرتفع أم سينخفض، واتفق مع هذا الطرح السيد موريلوفيرير (MuriloFerreir) الرئيس التنفيذي لشركة فالي(Vale) البرازيلية خلال مداخلته في المؤتمر السالف الذكر.
ويعتقد السيد مارك بيرفان (Mark Pervan) كبير الاقتصاديين لمجموعة AME Group Ltd أن هذا العامل هو العامل الأساسي الذي يتوقف عليه مستقبل الأسعار في الأجل القريب.


أما العامل الرابع وغير المرتبط بالصين حسب السيد جين سيباستين جاك فهو حجم المعروض في السوق العالمي وقد ذكر أن المنجم البرازيلي الضخم ( S11D) سيضيف حوالي 40 مليون طن إلى السوق العالمي خلال هذه السنة،وتشير بيانات السوق البرازيلي إلى زيادة في صادرات خام الحديد خلال مارس المنصرم بنسبة قدرها 186.7% .
وكان بنك الاحتياطي الأسترالي (RBA) قد حذر مؤخرا من اختلال ميزان العرض والطلب في المرحلة القادمة نتيجة للزيادة الكبيرة المتوقعة في حجم المعروض خلال السنة الجارية بسبب فتح بعض المناجم الجديدة أو توسيعها مثل مشروع منجم روي هيل (Roy Hill) في غرب أستراليا، و مشروع منجم ميناس-ريو (Minas-Rio) في البرازيل، وغيرهما.


فرصة تكرار سيناريو صعود الأسعار


رغم التراجع الأخير في الأسعار الذي تخللته قفزات طفيفة ونسبية لا تزال هناك بعض العوامل التي قد تدعم الأسعار وتنقذها من الهبوط بصورة كبيرة، بل قد تخلق الفرصة المناسبة لتكرار سيناريو الارتفاع الذي حصل في الأشهر الأربعة الماضية، وبالتالي تخلق موجة تصاعدية جديدة في مسار الأسعار على المدى المتوسط، وسأكتفي بذكر أربعة عوامل رصدتها خلال متابعتي اليومية لتطورات السوق العالمي لخامات الحديد خاصة السوق الصيني :


1- : ارتفاع الاستهلاك الصيني الموسمي من الصلب
مع ارتفاع درجات الحرارة في معظم أنحاء الصين يدخل موسم الربيع الذي يعتبر أفضل المواسم من حيث استهلاك الصلب، حيث تزيد كل المشاريع من معدلات تنفيذ الأعمال، خاصة مشاريع البنية التحتية والعقارات، والتي ذكرنا في مقالنا السابق بعضها، ونذكر اليوم مشروعا جديدا يتعلق بالبيان الصادر فاتح الشهر الجاري عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول قرار بتأسيس منطقة اقتصادية خاصة جديدة ( شيونغآن الجديدة) في إقليم خبي شمالي الصين، ويتوقع المختصون أن إنشاء هذه المنطقة سيزيد من الطلب على الصلب بحوالي 20 مليون طن. تحسن الطلب على الصلب قد يحسن الطلب على المادة الخام وبالتالي تتحسن الأسعار.


2- : النقص الحاد في الخامات عالية التركيز
رغم المخزون الهائل على مستوى الصين من المادة الخام لكن في الحقيقة غالبيته من الخامات المتوسطة والمنخفضة التركيز (تركيز الحديد أقل من 58% ) ، حيث تشير بعض الإحصائيات أن نسبة الخامات عالية تركيز (تركيز الحديد 62% فما فوق) من المخزون تتراوح بين 15 % إلى 26%، وهذا ما يعني أن هناك نقصا في هذا النوع من الخامات الجيدة، والتي إنتاج الصين منها قليل جدا، مما جعلها تعتمد بشكل شبه كلي على الخامات المثيلة المستوردة.


3- : الارتفاع المحتمل لأسعار فحم الكوك
من المعروف أن منتجي الصلب في الصين ومن أجل خفض تكلفة الإنتاج عادة يفاضلون بين سعر فحم الكوك ونوعية الخامات. وأي ارتفاع متواصل في أسعار الفحم نتيجة لتوجه الحكومة الصينية في فرض سياسة إنتاج صديقة للبيئة، سيدفع منتجي الصلب إلى العودة إلى استخدام الخامات عالية التركيز، التي يعتبر الإنتاج المحلي الصيني منها قليلا، ونسبة المخزون منها في الموانئ الصينية قليلة بالمقارنة مع الخامات الفقيرة كما بينا سابقا، وهذا ما سيخلق ظرفية مؤقتة يكون حجم الطلب فيها على الخامات عالية التركيز أكبر من المعروض، وكانت أسعار فحم الكوك قد وصلت خلال الربع الأخير من السنة المنصرمة إلى 2180 يوان / طن.


4 :- صعوبة زيادة الإنتاج المحلي الصيني


تعتبر مكامن الحديد في الصين من النوع ضعيف التركيز غالبيتها نسبة الحديد فيها أقل من 30%، كما تتميز أيضا بتكلفة عالية جدا تصل ( 80 -100 دولار) للطن، وفي أحسن الأحوال (50-60 دولار للطن) غير منافسة مقارنة بالتكلفة لدى الأربعة الكبار (أقل من 15 دولار للطن ) ، و يعتقد جل المحللين الصينيين أن عودة غالبية هذه المناجم إلى الإنتاج مشروطة باستمرار الأسعار فوق 80 دولار للطن لأكثر من خمسة أشهر على الأقل، وحتى لو قرروا استئناف الإنتاج فلا تزال هناك العديد من العراقيل أمامهم كإصدار التراخيص، و تطوير وسائل الإنتاج وما يتماشى وقانون البيئة الجديد. وقد صرح السيد Lei Pingxi نائب رئيس رابطة شركات التعدين الصينية أن هناك
780 منجما تم إغلاقه خلال نهاية 2015 والنصف الأول من 2016م، وهي تشكل حوالي ثلاثة أرباع الشركات الصينية العاملة في هذا القطاع .


إن زيادة المعروض وتأثر الأسعار بذلك، في ظل صراع واضح بين الأربعة الكبار، والشركات الصينية الصغيرة يطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل أسعار خامات الحديد خلال الفترة المتبقية من السنة !
ونحن نرجح استمرار اختلال حالة السوق، وعدم استقرار الأسعار في المرحلة الحالية، وذلك حتى تتضح الصورة. ونعتقد أنه متى اتضحت الصورة بشأن عدم قابلية زيادة كبيرة للإنتاج الداخلي الصيني فإن الأسعار ستتعافى كليا وتستقر على مدى أطول، ومتى توجه صناع الصلب إلى زيادة الصلب على الخامات عالية التركيز فإن الأسعار أيضا ستتعافى جزئيا و بشكل مؤقت، وقد يكون العكس صحيحا. إذا نجحت الشركات الصينية في العودة إلى الحياة من جديد وزادت من معدلات إنتاجها، و استمر صناع الصلب في استخدام الخامات الفقيرة فإن الأسعار ستواصل هبوطها.
وقد يكون هناك سيناريو ثالث يضع الحد للجولة الجديدة من حرب الأسعار ويفضي إلى سلام بين الأربعة الكبار والشركات الصينية بحيث تظل الأسعار في مستوى يتراوح بين 50 و70 دولارا للطن. والحقيقة أنه لا أحد يستطيع تقديم تنبؤات دقيقة بشأن مستقبل أسعار خامات الحديد في ظل التغييرات الحالية للسوق.

عودة للصفحة الرئيسية