مَن بإمكانه الاستغراب؟

الاثنين 27-03-2017| 00:30

افتتاحية حزب الصواب

تتعقد مع الوقت أزمتنا السياسية الوطنية الناشئة من أحداث تراكمية تتغذى اللاحقة من السابقة، و سياسات الأبواب المغلقة التي اعتمدها النظام منذ انتهاء انتخابات 2009، وزاد من إحكام قبضتها بعد شعوره بانحسار تهديد الشارع 2012 الذي أدى إليه عاملان : آمال علَّقها قطاع منه على حوار 2011 وما انتظر منه أن يحقق بشكل سلس توافقي من إعادة هيكلة النظام السياسي والدستوري والاجتماعي وبناء دولة ديمقراطية تتسع لجميع مكوناتها، تضمن العدالة الاجتماعية وحقوق الانسان وتعزز من خلال انتخابات حرة نزيه فرص المشاركة السياسية والتناوب السلمي على السلطة، وتبعد شبح الانقلابات العسكرية والدساتير المؤقتة. لكنها نتائج انطفأ حلمها بعد فترة وجيزة من توقيعها، حين تَعَمَّد النظام وأجهزته المعنية التلاعب بها، ورضي محاوروه غض الطرف عن ذلك، اما العامل الثاني فكان انكسار وميض الحلم الذي خلفته ثورتي تونس ومصر وما وعدتا به من قدرة للجماهير الشعبية في الوطن العربي على تغيير أنظمتها الاستبدادية وتحقيق تطلعاتها المشروعة، وتحول سريعا إلى عُتمة ومصيدة هيأت على نحو اتراجيدي في ساحات أخرى للتدخل الخارجي والتقسيم والاقتتال الشرائحي وتعزيز بنية الارهاب وتدعيم مواقعه..
سياسة الأبواب المغلقة التي اعتمدها النظام كان متوقعا أن توصله إلى وقف دعواته العلنية نحو الحوار طالما أنه غير معني به، ولا مستعد لدفع ما يترتب عليه، فهو يمتلك أغلبية تمرر له ما يريد، بغض النظر عن ظروف وطبيعة الانتخابات المنبثقة عنها، لكنه ظل مستمرا في طرح تلك الدعوات دون إبداء رغبة في التنازل لمحاوريه المفترضين الجدد حتى عن وضع خريطة تضمن أن يكون حوارهم مدفوع الاستحقاقات، وليس على منوال حوار 2011 الذي تحولت انتكاسته إلى رصيد إضافي من خيبة الأمل في الحوار عموما، وكان ذلك بمثابة قطعة الدومينو الأولى في أزمة بنيوية تجلت في فشل حوارات 2013 قبل الانتخابات النيابية، وانتكاسة حوار 2014، قبل الانتخابات الرئاسية، والعجز عن وصول أي فريق من الطرف الآخر لقاعة حوار سبتمبر 2015، الذي سيقرر النظام الذهاب إلى نسخته الثانية نهاية 2016، وباشر بتطبيق نتائجها في 2017 وكانت مفاجأتها أن نقلت الأزمة إلى داخل منظومته وبيته الداخلي وقادت إلى تحدي الافتراضات الأساسية التي قامت عليها أغلبيته، وقد تكون في طريقها لتشمل عناصر أخرى من هذه الاغلبية لم تكن تجرؤ على كشف نواياها قبل حدوث أزمة الشيوخ، وهو أمر لا يخفى ما قد ينجر عنه من أخطار مجهولة سواء في حجمها، أو في قدرة تحمل الكيان الوطني لها.
وهي في كل الأحوال مخاطر لا تمكن مطلقا مواجهة مخاطرها الوشيكة بإغلاق باب الحوار ولا النقاش، كما ذهب إلى ذلك لقاء الأربعاء الماضي.. ذلك أن الحوار والنقاش من جديد سواء مع المعارضة القديمة أو الجديدة، هُما وحدَهُما، الطريق الأكثر أمنا لوقف مفاجأة مباغتة أو غير متوقعة كالتي حدثت في الغرفة العليا قبل ايام.. وكما ورد في تساؤل لأحد اكثر المهتمين بالشأن العام في البلاد :(مَن بإمكانه الاستغراب من الحالة المأساوية التي وجدنا فيها أنفسنا أكثر من مرة، ومن استيقاظنا المتكرر مذعورين في مواجهة آفاق مسدودة؟. لقد سن أولئك الذين وضعوا اللبنات الأولى للدولة القاعدة التالية: إن القضايا الجدية وأحرى الخطيرة لا تناقش، فالمستقبل البعيد لا يلامس من خلال الاسقاطات والتنبؤات السياسية، فهذا المجال كله من اختصاص الأوحد (رئيس الدولة) الفريد.. وقد اعتمد خلفاء السلطة الذين يأتون دائما بصورة مفاجئة كمنقذين في ظرفية قليلة الملاءمة هذا التقليد الراسخ، فيما يكمل المعاونون السابقون الباقون دوما تلقينهم بالإيماءات أو بالصمت الرهيب الأكثر بلاغة من خطب قس بن ساعدة الأيادي.غير أنه في السياسة لا يوجد حتى الآن، لإظهار الحقيقة أو ملامستها، أو تجنب ارتكاب الاخطاء الفادحة أو على الأقل التحوط من الأخطار الجسيمة، سوى النقاش.)

عودة للصفحة الرئيسية