تغييرات في الأفق



شهر الحسم فى موريتانيا



ماذا بعد سقوط التعديلات الدستورية؟



رهان التعديلات الدستورية



ملاحظات حول الحماية القانونية للطفل في موريتانيا



دوافع وأدوات التغلغل الإسرائيلي بغرب إفريقيا



حديث في البحث عن طرق جديدة للطعن بالنقض



التقارب الإسلامي الصيني مفتاح إعادة إحياء طريق الحرير



في ضيافة المغول



لجنة حكومية تجهل التقرير المرفوع باسمها ... !



أوجفت بين تنكُر الأبناء وتهميش الحكومة



الإستفتاء: المجلس الجهوي أو واجب التصويت ب "نعم"



ما زالت في البلد بقية من..!

الأربعاء 22-03-2017| 16:00

محمد عينين بن أحمد الهادي

عرف الشعب الموريتاني عبر تاريخه الطويل بالشهامة والكرامة ورفض الذل والاستسلام، فلم يستطع المستعمر رغم تسلطه وغطرسته أن ينال من كرامته، فقليل من الموريتانيين الذين استطاع المستعمر ترويضهم واكتتابهم مخبرين له، لأن التجسس عند الموريتانيين - بوازعهم الديني - هو جريمة، ولم يستطع أن يجعل منهم متملقين لسلطته رغم كل محاولاته الترغيبية والترهيبية، لأن التملق والنفاق يعتبرانهما من الكبائر، فقد ظل الموريتاني البدوي محافظا على أخلاقه وشيمه ولو كلفه ذلك حياته، فالسارق ينظر إليه في المجتمع بعين السخط ولازدراء، والمنافق يعتبر من الساقطين، وكذا الجبان والطماع لأنه بالنسبة للموريتاني لا خوف ولا طمع إلا من الله ، فقد قال أحد شعرائهم الشعبيين القدامى :

ما نهرب من فعل الجليل
عن ش لاه يخلڤ فات اڤبيل

فالكاف المعقودة في الحسانية بديل عن القاف

أزعم ڤاع الا نقد اللڤ
لاه يخلڤل ما تخلڤ
آن ڤاع اشكيفت ذل
سابڤ نخلڤ ما يظهل
ومنين اخلڤت الحڤت ال

واشكيف اهروب عن بل
ش ڤاع أولا عن يدرڤ
لاه يخلڤل فات اخلڤ
وعند مجيء الدولة المدنية - رغم كل ما قيل أو يقال عنها- فقد ظلت محافظة على تلك الثوابت، فاختلاس المال العام لم يكنن من الممكن القيام به دون محاسبة، فالرئيس والوزير مطالبان بإحضار الفواتير التي سدداها خلال سفرهما في الخارج.
وظل المجتمع محافظا على أكبر قدر من الأخلاق الحميدة، الصدق، الإخلاص، الإيثار، التلاحم والرأفة. فما من أحد يقبل أن ينعت بالنفاق ولا التملق ولا الطمع المذل، وظلت الشهامة وعدم الخوف والطمع السمة الغالبة في المجتمع.
ورغم عدم ديمقراطية النظام الذي قاد البلاد في تلك الحقبة فلم يستطع ترويض القضاء الذي ظل مستقلا عن السلطة التنفيذية، برفضه الحكم على معارضي النظام رغم غطرسة بعض إداراته، ومع أن الدستور آن ذاك يمنع التعددية فلم يصدر حكم واحد على من كسر عصى الطاعة على لنظام، وظل الجيش في الكثير من الحالات يرفض أن يكون أداة قمع بيد النظام.
أما في العقود الأخيرة من عمر الدولة الموريتانية الحديثة فقدانتشرت صفات ودخلت مصطلحات لم تكن معروفة أحرى محبوبة عند الموريتانيين من قبيل : « التبتاب : للمحتال، وآفكراش :- التي كانت خصلة حميدة - أصبحت تطلق على المختلس، والمتنفذ، ورجل الدولة : (للجاسوس)... » وأصبح في نظر أكثر المراقبين للحياة الاجتماعية أن التفسخ الأخلاقي استشرى ويزداد يوما بعد يوم، ويُتفاخر به، وحتى في الطبقات التي كانت محافظة، حتى تيقن الجميع أنه لم يبق في البلد من يحافظ على شيء، فالذي يقول الحاكم أو الوالي أو الوزير أو الجنرال هو عين الصواب دون أن ينظر إليه بالتمحيص أو بعين البصيرة، فهو حق بل وواجب التطبيق في أكثر ألأحيان؛ ويعتبر رافضه خائن وغير وطني.
غير أن ما أقدم عليه بعض مجلس شيوخنا الموقرين من رفع لرؤوسهم برفضهم لما قدم إليهم ليبتلعوه بزغبه – كغيرهم- دون أن يحكموا ضمائرهم أو يبدوا آراءهم، فكان رفضهم للتعديلات الدستورية شهامة جعلتنا نوقن بأنه ما زالت في البلد بقية من عزة ووفاء.
ورغم تقدم بعضهم في السن، ورغم الضغوط التي مورست ضدهم إلا أنهم أصروا على أن لا يذبحوا بأيديهم وأظهروا من الشجاعة ما لم يستطع من هم أولى بأن تكون لديهم نظرة جديدة للحياة في عصر العولمة الاقتصادية والتكنولوجية والفكرية أن يقدم حتى على التفكير فيه، بل ظهر أن كل من هو أصغر سنا هو أكثر خوفا وطمعا من غير الخالق الرازق، وتلك كارثة ما فوقها كارثة، فهل سيستخلص شبابنا يوما ما من ربقة الخنوع والخوف والتملق ويعلم أنه لا خوف ولا طمع إلا من الله. ويستدل على ذلك بقول شاعرنا الآخر :

الرزق أو لعمر جاو أڤداد*​​او هذا فاللوح اڤبيل انخط

او ڤد امنين اعل واحد زاد* ​​ينخـــــــط اعل لوخر ينخـــــط

فعلى ما ذا يخاف الآخرون يا ترى؟ أسيقطع رزقهم؟ أم ستمنع لهم الحياة؟ لا بالطبع، ولكن ستكتب شهادتهم ويسألون !.
بقي أن نرى ما ذا بإمكاننا أن نفعل؟ فعلينا جميعا وخاصة الطبقة السياسية والمثقفة التي يجب أن يرى أصحابها أنفسهم وطنيين، وأرجو أن يكونوا نذلك، أن ما بعد السابع عشر من مارس 2017 ليس كما قبله، وأنهم يتحركون داخل مجتمع بالغ الهشاشة والحساسية، (مختلف الأعراق والفئات والاتجاهات)، وأننا في منطقة على فوهة بركان بارود ونتصرف انطلاقا من هذه المعطيات.
فعلى النظام أن يتخلص من عقدة التآمر ولي الذراع ويفكر في دخول التاريخ من بابه الواسع بتجنيب البلاد مخاطر التشتت والتمزق مثل الآخرين ويعلن رئيس الجمهورية أن ما بقي من مأموريته الدستورية سيكرسها لجعل البلد ينعم بالتبادل السلمي على السلطة حفاظا على وحدة وتماسك شعبه الهش، ويبدأ في البحث عن إشراك الجميع في تسيير ما تبقى من المأمورية لقطع الطريق أمام المغامرين والصيادين في المياه العكرة، وذلك ما أتمناه. ويتمناه الكثير من الموريتانيين للحفاظ على ما تبقى من وحدتهم. وأن لا يدفعه المحتالون والمتملقون الذين أدفعوا جميع النظم قبله إلى الذهاب إلى الأمام ودفن رأسه في الرمال بغض النظر عن ما تخفي الأيام مما لا تحد عقباه، وقانا الله شر ذلك كله،
كما أن على المعارضة أن تستغل الفرصة المتاحة وتتبنى خطابا يتماشى ومرحلة ما بعد رفض التعديلات الدستورية من طرف الشيوخ، وتعلن انفتاحها على الجناح المحاور والجناح « المستنير » داخل أغلبية النظام، وفي نفس الوقت تستمر في النضال السلمي من أجل إنقاذ بلدهم مما يتهدده.

 

محمد عينين بن أحمد الهادي

عودة للصفحة الرئيسية