لعبة التوازنات في ليبيا ومسارات التوافق السياسي

ترصد الورقة خريطة التكتلات السياسية وأذرعها العسكرية، والقوى الليبية المؤثرة في صناعة الأحداث وعلاقتها بالفاعلين الإقليميين والدوليين في ظل الجهود الدبلوماسية لدول الجوار والاتحاد الأوروبي لإيجاد تسوية توافقية بين الفرقاء تنهي حالة الانسداد السياسي.

الخميس 16-02-2017| 20:00

د. الحسين الشيخ العلوي

رغم تعدد اللاعبين في المشهد السياسي الليبي فإن المتتبع للشأن الليبي يدرك دون كبير عناء أن القوى المؤثِّرة في صناعة الأحداث، هي: تكتل الشرق وحكومة الوفاق، في حين لا تعدو بقية التكتلات محاولة إثبات الوجود لكي تفرض نفسها على مجريات الأحداث لبرهة من الزمن، لكنها لا تمتلك القدرة على خلط الأوراق وإعادة ترتيبها كما هو شأن التكتلين الرئيسيين. فهذان التكتلان قادران على خلط الأوراق على ساحة التأثير في ليبيا وعلاقة هذه الساحة بالخارج. ومع ما باتت تشكِّله ليبيا من خطورة على الأمن الإقليمي والدولي نظرًا لتدفق موجات الهجرة غير الشرعية عبرها نحو القارة العجوز واقتران هذه الهجرة أحيانًا بالجريمة المنظمة والإرهاب العابر للقارات فقد نشطت دبلوماسية دول الجوار والاتحاد الأوروبي، وبقدر أقل من قبل الاتحاد الإفريقي بغية إيجاد تسوية توافقية بين الفرقاء الليبيين تنهي حالة التشرذم والانسداد السياسي، وتضع حدًّا لتنازع الشرعية بين ثلاث حكومات وبرلمانيْن. كما أن دخول روسيا الاتحادية على خط التسوية في ليبيا يؤشِّر لعودة قوية للدب الروسي إلى المنطقة، ويعزِّز من الموقف التفاوضي لتكتل الشرق مما يمهد للعديد من المساعي والمبادرات السلمية مع ضغوط متزايدة على أطراف الأزمة الليبية من قبل المجتمع الدولي قد تؤتي أكلها هذه السنة؛ حيث تقود المؤشرات إلى التفاؤل حيال المبادرة الجزائرية-المصرية والتي تم تنسيقها بمباركة تونسية، يتوقع لها المراقبون النجاح عكس سابقاتها نظرًا للعديد من العوامل التي تم تفصيلها في سياق هذا التقرير.

توطئة

منذ أن أصدر مجلس الأمن الدولي في يوم الخميس، 17 مارس/آذار 2011، بأغلبية 10 أصوات دون اعتراض أيٍّ من الأعضاء الدائمين وامتناع خمس دول عن التصويت، القرار الأممي رقم 1973 الذي يقضي بفرض منطقة حظر جوي فوق الأراضي الليبية، واتخاذ كافة الإجراءات الضرورية لحماية المدنيين(1)، تم تدويل القضية الليبية وباتت خيوط اللعبة السياسية تخرج تدريجيًّا من أيدي الفرقاء الليبيين حتى تكرَّست سطوة وحضور العامل الخارجي بصورة جلية بُعيد سقوط نظام الراحل معمر القذافي، أواخر العام 2011. وأدَّى الحضور الكثيف للتدخلات الخارجية إلى تأزيم الوضع الليبي وتشرذمه نظرًا إلى تعارض مصالح الدول المتدخلة وتضارب سُلَّم أولوياتها؛ مما حال دون إجماع حقيقي وراء قضايا وطنية كبرى ملحَّة وأفقد النخبة السياسية الوليدة النجاعة والفعالية في مواجهة الاستحقاقات شديدة التعقيد لدولة عاشت لعقود أربعة في وضع هلامي يفتقر لمؤسسات حقيقة كالمتعارَف عليها عالميًّا في بقية دول العالم!

مما لا شك فيه أن سطوة حضور وتأثير العامل الأجنبي في المشهد السياسي الليبي تقف وراء الإخفاق الذريع لجل التسويات السياسية التي رعاها المجتمع الدولي ممثَّلًا في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ومع الإقرار بمدى سطوة وتأثير التدخلات الخارجية في مسارات التسوية في ليبيا نظرًا لتعارض مصالح الدول المتدخلة، إلا أنها ليست وحدها كافية لتفسير انسداد المسارات السياسية وتعثُّر المساعي الحميدة لدول الجوار الليبي حتى الآن في إيجاد تسوية توافقية بين الفرقاء الليبيين المتنازعين على الشرعية في أنحاء متفرقة من ليبيا. فمرتكزات العقلية السائدة ذات الخلفية القبلية لمعظم مناطق ليبيا -التي تحدد سلوك وردَّة فعل السياسيين والفاعلين الاجتماعيين حيال الأحداث الجارية- وما تتسم به هذه العقلية من يقينية الطرح والنظرة الأحادية، هذه العقلية التي اعتادت على أخذ حقها بيدها والتي لا تعي متطلبات العيش المشترك ولم تتعود على التداول السلمي للسُّلطة! وغياب التدرج الطبيعي في الممارسة السياسية العامة، إضافة إلى انعدام شبه تام للثقة بين الفرقاء الليبيين، هذا مع وجود شريحة كبيرة لا يستهان بها من الموتورين -ولاسيما من أنصار النظام السابق- لا تزال مؤمنة وموقنة بأنه لا حلَّ خارج إطار الحسم العسكري(2) وإعادة الحق المغتصب!

هذه العوامل وغيرها هي ما تقف وراء حالة الانسداد السياسي وتعنُّت الفرقاء الليبيين وعدم قبول أي منهم بالتنازل عن أي من مطالبه التي يراها الحق كل الحق. ومع هذا تقودنا المؤشرات إلى التفاؤل كثيرًا بأن سنة 2017 ستكون سنة التسويات والحلول التوافقية نظرًا إلى الاعتبارات الأربعة التالية:

تلافي المجتمع الدولي لأخطاء التسويات والمبادرات السابقة مما حدا به إلى تغيير طريقة التعاطي التي أفضت نسبيًّا إلى تليين المواقف والتقارب بين الفقراء الليبيين، قد يسفر هذا في الأسابيع القليلة القادمة عن تسوية وشيكة باتت تلوح في الأفق برعاية دول الجوار الليبي.
دخول روسيا الاتحادية على خط التسويات في ليبيا، وتقارب وجهة نظرها مع الإدارة الأميركية الجديدة حيال الأزمة الليبية.
تفاقم الوضع المعيشي للمواطن الليبي وتردي الأوضاع بشكل كارثي، أفضى لحالة متنامية من الاحتقان بين أوساط الشباب الليبي باتت معه الأوضاع تنذر بانفجار الأمر في أية لحظة، لا شك في أنه إن حدث سيجرف في طريقه كل الواجهات السياسية المتصدرة للمشهد العام راهنًا.
محنة السنوات الستة الفائتة جعلت الغالبية الصامتة من الليبيين تتجاوز ثنائية (سبتمبر/أيلول-فبراير/شباط) وتتطلع إلى الدولة المدنية التي تسع الجميع وبالجميع.

لمتابعة قراءة التحليل

عودة للصفحة الرئيسية