"فن الورطة"... كاتبة صحراوية تنتقد تصريحات الشيخ العافية بالمغرب

الأربعاء 23-12-2009| 16:30

خديجة حمدي/كاتبة صحراوية

دأب النظام المغربي للأسف على توريط عديد الفاعلين السياسيين والإعلاميين من المغرب وخارجه في ملف القضية الصحراوية، والزج بهم في متاهات اللا شرعية واللامعقول.

(...) وعلى كل حال يورط المغرب مؤخرا مجموعة من السفراء من خلال جولة ترفيهية في مدينة الداخلة المحتلة، وما يهمنا، للأسف هنا هو مشاركة موريتانيا "المحايدة" في الصراع الصحراوي المغربي عبر سفيرها الموقر بالرباط. ويهمنا ذلك لأننا نهتم بموريتانيا أكثر من غيرها، فهي البلد الشقيق والجار الذي نتقاسم معه أكثر مما نتقاسم مع غيره من بلدان الجوار.

فموريتانيا بعد التصحيح الذي قام به فخامة الرئيس محمد ولد عبد العزيز تخطو خطوات واعدة نحو العدالة ومحاربة الفقر وترسيخ مؤسسات الدولة رغم ما يحيط بذلك من مصاعب، كل ذلك يجعلنا نحس بالثقة في المستقبل خاصة إذا ما استطاعت موريتانيا الخروج من الحياد السلبي إلى الدور الايجابي كجارتها الجزائر... ولماذا لا؟

إلا أن زيارة سعادة سفير موريتانيا وحرمه إلى المدينة المعذبة تحت أنوار البهرجة الكاذبة، المسيجة بآلاف الفقراء المغاربة الباحثين عن لقمة عيش وراء حدودهم، الرافلة في وحل الاحتلال الهمجي، كانت -أي الزيارة- توريطا خبيثا لموريتانيا والذي يدخل في سياق البحث كل مرة عن ضحية تحمل عنه أوزار ونكد قضية الصحراء الغربية كما فعل باسبانيا مؤخرا.

فالأضواء والمواكب الجميلة الراسية على مرافئ "فيلا سينسيروس" المكممة أفواه أهلها بفعل البوليس والجندرمة والمخازنية، لا تعبر عن نماء ورخاء بقدر ما تعبر عن غش واحتيال استعماريين على حساب حقوق شعب لن تبهره جولات سياحية خارج المنطق.

فهل تساءل السفراء الضيوف عن وضع أمينتو حيدار التي كانت تخوض إضرابا مفتوحا عن الطعام بمطار لانثاروطي الاسباني، أو عن ما بعد دخولها للعيون المحتلة وهي تواجه أنواعا من الحصار الإعلامي والعسكري والبوليسي؟

فانتم يا سعادة سفير موريتانيا الشقيقة، تبقون معنيون أكثر من غيركم، فنحن إن لم نلم موريتانيا لأنها لم تتكلم عند ما كانت امرأة بيظانية تلف جسدها النحيل بملحفتها في المطار المذكور، فلأننا نحس بقلب موريتانيا النابض بالمحبة والنخوة والتضامن والغيرة علينا لأننا نصفكم حتى وإن لم يقلها الساسة والإعلاميون أو "جحدوها عن روسهم"، ولسنا مستعجلين أبدا على دور يخترق الجمود المنمق بالمصالح غير الإستراتيجية لموريتانيا في المغرب.

لكن، ما نطلبه نحن الصحراويون هو احترام مشاعر أهالينا بالمدن المحتلة، فأرض المغرب وفق الحدود الموروثة عن الاستعمار واسعة للسياحة وللسياسة وللترفيه وللمصالح، بينما تبقى الصحراء الغربية مستعمرة لم تخضع بعد لتصفية الاستعمار وهي في أجندة الأمم المتحدة منطقة نزاع، وكل خطوة خارج الحياد الحقيقي -إن بقى منه شيء- تعتبر استفزازا لشعب لا يريد أن "يكسَرَ ش" لموريتانيا.

فكل واحد منا -والله على ما أقول شهيد- يحاول بطريقة ما استئصال "صورة مشوهة" لموريتانيا، التقطتها ذاكرته وهو طفل أو شاب أو حتى شيخ هرم لزحف جيش يتكلم الحسانية مثلنا وتلبس نساؤه الملاحف مثلنا، ويلبس رجاله الدراعة مثلنا، ويتذوق الشاي على أوتار سمر بيظاني لا يدرك غيرنا عمقه ونكهته خاصة عندما تتسلل "سليكات الهول" من حناجر مبدعة، يومها مات "فاغو" على شفاه منشديه منا ومنكم، لأن الخسارة شاملة ولأن الدم المتدفق واحد حتى وإن اختلفت مقاصده بين الاحتلال والشهادة.

فدعونا نلملم الجرح بصدق دون أن نلتفت إلى الوراء، ودعونا نحلم بوحدة مغاربية قد يكون دورنا فيها كصحراويين وموريتانيين أساسيا لأسباب اجتماعية وثقافية ودينية ربما لا تتوفر في غيرنا.

دعونا نكسر اتفاقية مدريد المشؤومة بفعل تواصلنا الأبدي، فقد كسرتها القلوب قبل أن تكسرها المدافع، وكفى جريا خلف وعود قزمية لنظام متعفن محكوم عليه بالزوال وعلى أفكاره الجشعة الظالمة، وعلى موريتانيا أن تقف بعد كل كبواتها شامخة ترنو إلى الأمام غير مشدودة ببقايا عقد ماضية تمليها إرادة التوسعيين المغاربة الحالمين دوما بموريتانيا مغربية.

وليحذر الأشقاء الموريتانيون من ورطات تفنن فيها المغرب، وليتساءلوا لماذا موريتانيا بالضبط؟ وأين التاريخ ودروبه؟

خديجة حمدي

كاتبة صحراوية

عودة للصفحة الرئيسية