عندما يلتقي النيلين/ الدكتور أحمد ولد نافع

الثلاثاء 22-12-2009| 16:24

لا يمكنني وصف الحبور الذي انتابني وأنا أتلقى دعوة المشاركة في ورشة قضايا التعليم فوق الجامعي في الوطن العربي مشاركا عن جامعة أفريقيا الأهلية في طرابلس التي شارك معي - أيضا- عميدها الدكتور مبروك مفتاح أبو شينه في الورشة المذكورة ، التي نظمتها وأشرفت عليها جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا .. حيث إن تلك الدعوة ستتيح لي فرصة زيارة السودان الحبيب الذي أكن له منذ صغري تقديرا خاصا ، وذلك بعد أن علمت من والدي العلامة الفقيه الراحل إدوم ولد نافع ، قدس الله سره ، أن هذا البلد كان قنطرة الحجيج الشنقيطي الميمم للأراضي المقدسة في الحجاز.. فمن تجربة الوالد في خمسينيات القرن الفارط، الذي أكمل دراساته التعليمية المحظرية بعد حفظ القرآن الكريم ومتون الفقه المالكي السائدة في البلاد الشنقيطية .

فإن حُلم الشباب العربي المسلم هي الاستزادة من العلوم وتأدية الركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج .. وقد كان التفكير في هذا الأمر في مجتمع البادية في أرض الحوض الشرقي ضربا من التحدي الذي لا يوفق الكثيرون في ردّه والخطر الذي يهلك دونه الآلاف ، نظرًا لوعورة الطرق التي تتشعب لتشمل أقطارًا افريقية ( مالي – بوركينا فاصو – النيجر – تشاد – السودان – مصر) ، و تنطوي على الملمّات التي جعلت بعض الفقهاء يفتون بحرمة الحج في مثل تلك الظروف الصعبة العسيرة ..!

وحين عزم الوالد في يفاعته وفتوته – وفي سرية تامة عن الأهل والأحبة الذين يرون في الأمر إلقاءً بالنفس إلى التهلكة - الالتحاق بركبٍ من الحج شمل قافلة من أشتات القبائل رجالا ونساء .. أكمل القليلون منهم رحلة التحدي المقدسة ووصلوا إلى السودان بعد أشهر قاربت السنة من السفر على الأقدام .. ولأنه لم يكن يتوفر على أوراق ثبوتية مدنية ، على غرار الجميع في ذلك الوقت ، – كان هذا قبل ميلاد الدولة الموريتانية في سنة 1960- فإن السلطات الانجليزية منعته من مواصلة الرحلة ، مما اضطره ، بمشورة من مجرّبين ، إلى أداء خدمة وطنية في الجيش السوداني مدتها ستة أشهر ، تكللت ببطاقة تعريف وطنية سودانية مكنته من تحقيق حلم العمر في الوصول إلى الديار المقدسة وأداء فريضة الحج والنهل من العلوم العربية والإسلامية المنتشرة في مكة والمدينة في ذلك الوقت .. تلك هي القربي " الاجتماعية " التي جعلت السودان يحتل مساحة كبيرة من التقدير في قلبي ، وعزمت على زيارته وفاءً للدين الذي يدين به الموريتانيون ( والشناقطة عموما ) للشعب السوداني الذي وفّر لهم وِفَادةَ الضيافة التي يستحقونها كفقهاء وعلماء وحجيج إلى بيت الله ، مما شكّل بذرة من التواصل الاجتماعي السوداني الشنقيطي الذي كان من نتيجته وجود مجموعات قبلية مختلفة في السودان الحالي تعود في جذورها الاجتماعية إلى ذلك الرعيل الأول من الحجيج الشنقيطي الذي استطاب العيش في كسلا وواد مدني وكردفان ودارفور و الجزيرة والأبيض وأم درمان والخرطوم ، وقدّم علمه وشيد المحاظر في تلك الربوع العامرة ( أو الخلاوي ، كما تسمي في السودان وتشاد حاليا) لتدريس القرآن الكريم والعلوم العربية و الفقهية الإسلامية ..نزلت في مطار الخرطوم في ليلة رأس السنة الميلادية 2005 وفي ذاكرتي كل تلك الصور التاريخية المشرقة ، وحين قدمت جواز سفري لموظف المطار لختم علامة الدخول ، فوجئت به يقول لي :" وين الفيزا يا زول .. أنت موريتاني .."!! والزول تعني : الرجل بالدارجة السودانية المحلية .

لم أكن أعلم أن العلاقات الدبلوماسية الموريتانية السودانية مقطوعة منذ منتصف التسعينيات ، وأنه من اللازم على مواطني كلتا الدولتين الحصول على تأشيرة دخول مسبقة ، فأوضحت له إنني في زيارة عمل للسودان بدعوة من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا في الخرطوم .. وأن أحد مسئولي الجامعة سيكون في انتظاري في الصالة ريثما أنهي إجراءات الدخول . . فاعتذر بضرورة إخبار مسؤول وردية المطار الذي قابلني بحرارة مؤكدا أن :" الزول ده لازم يرجع على الطيارة .. لأنو من غير فيزا .."!!

وبعد القيام باتصالات بمسئولي الجامعة الذين تأخروا لزحمة العاصمة الخرطوم بتخليد احتفالات رأس السنة الإفرنجية وكل الطرق المؤدية للمطار القابع في وسط العاصمة أصبحت معطلة أو شبه مقفلة بالكامل ..اعتذروا عن الخطأ غير المقصود بالطبع .. وقاموا بعمل المشاورات اللازمة مع وزير التعليم ووزير الداخلية ..!! . وفي ذلك الأثناء غادرتْ الطائرة التي جئت على متنها .. وكان لزاما عليّ قضاء ليلة ليلاء على مقاعد انتظار مطار الخرطوم الدولي ..

وفي الصباح الباكر تم تجاوز المشكلة ، وصحبني مضيفي البروفسور" عبد العزيز" مع تقديم الاعتذار اللازم عن هذا الخلل الذي كان بالإمكان تفاديه بمجرد الانتباه إلى موضوع الروابط الدبلوماسية " المعطّلة" بين الخرطوم و انواكشوط .. وكانت الورشة فرصة لتبادل الرأي والأفكار حول مشكلات وقضايا التعليم فوق الجامعي في البلاد العربية ، حيث حضره مفكرون وأساتذة من عدة جامعات سودانية وعربية قدموا زبدة أفكارهم وعصارة مقترحاتهم في سبيل تجاوز التحديات التي يواجهها التعليم العالي في الجامعات العربية ، وعلى هامش الزيارة وبعد انتهاء الورشة ، فإن مقامي في فندق الميريديان في وسط الخرطوم أتاح لي فرصة التجوال الحر مع شارع الإمام المهدي وزيارة كلية الطب – جامعة الخرطوم التي فوجئت بحجم الإعلانات والبيانات والملصقات التأبينية لمنفذ عملية معسكر الغزلان للقوات الأمريكية في الموصل والمنفذة يوم 25 دجمبر 2004 ، حيث استطاع أحد الجهاديين أن يتنكر في لباس عسكري عراقي وتجاوز كل النقاط الأمنية ودخل مع الضباط والجنود الأمريكيين في مطعم يرتادونه للغداء وفجّر نفسه موقعا عشرات القتلى والجرحى بينهم ، وهي عملية مشهورة تابعها الملايين على وسائل الإعلام المرئية ، لم أكن أعلم قبل زيارتي لكلية الطب أن منفذها هو أحمد الغامدي ، أحد الطلبة السعوديين الذي كان يدرس في السنة الثانية في الطب البشري .. واختفي عن كليته وانقطعت أخباره عن زملاءه حتى علموا أنه نفّذ العملية المذكورة .. وهذا هو سر الاحتفاء الكبير به في كليته ومن صحبه الطلبة الذين يرونه بطلا شهيدا قدّم نفسه في سبيل الأمة العربية وضد قوات الاحتلال !

كما أنني عزمت على زيارة ملتقي النيلين الأبيض والأزرق في العاصمة الخرطوم ، حيث إنه من أهم المناظر الآسرة التي لا تفارق الذاكرة ، و عند ذلك الملتقي يتشكل نهر النيل الخالد الذي " وهب مصر" بحسب الأقدمين.. ويعتبر السودان إحدي الدول الواعدة من الناحية السياحية نظرا لانتشار وتعدد المواقع الأثرية، والمناظر الطبيعية الخلابة ، والمحميات البرية ، والحياة البحرية، والبرية خارج المحميات. وتغلب الطبيعة الصحراوية على الجزء الشمالي والشرقي من البلاد، في حين تغطي الغابات والمساحات الخضراء معظم أجزاء الجنوب الذي يحوي أيضا جزءا من النفط والثروات الطبيعية الأخرى.

وقد أخبرني البروفسور "الخوجلي"، أبلغت لاحقا عن إحالته على التقاعد ، الذي زارني في إقامتي وصحبني في سيارته وقمنا بجولة صباحية في يوم الجمعة في ولاية الخرطوم ( أو العاصمة المثلثة حيث تتكون من الخرطوم ، والخرطوم بحري ، وأم درمان) ، أحسن وفادتي في داره في أم درمان وأخبرني أن السودان محاط بتسع دول هي مصر وليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى والكونغو وأوغندا وكينيا وإثيوبيا واريتريا.وتبلغ مساحته مليون ميل مربع 2505810 كيلومترات مربعة، أي أكثر من مساحات بريطانيا وفرنسا واسبانيا وايطاليا وألمانيا وجمهورية أيرلندا وهولندا وسويسرا والبرتغال وبلجيكا والنمسا مجتمعة، بحيث يبلغ مجموع مساحة كل هذه البلدان المذكورة 2504777 كيلومترا مربعا.وعبرنا شارع الشنقيطي الشهير في أم درمان ، وكانت فرصة أحكي له فيها عن الشناقطة الذين كان السودان بالنسبة لهم بشارة الخير في بلوغ الحج ، إذ أن من يصل إليه تكون الطريق أمامه سالكة بعد ذلك لإكمال المهمة المقدسة ، فأخبرني عن دور الشناقطة في السودان وبقاياهم وقبائلهم وتواجدهم ، ومنهم محمد صالح الشنقيطي ، أول رئيس للبرلمان السوداني ، و هو الذي كرمته مدينة أم درمان بتسمية شارعها الرئيسي عليه ، وكذا جامعة الخرطوم في إطلاق إسمه على مكتبتها المركزية ، وهو الذي ساهم مع عدد من الساسة والزعماء في قرار مؤتمر جوبا الشهير ، الذي حدد مصير السودان وكان هذا في عام 1947ف.ومررنا من أمام قبر الإمام المهدي الشهير، الذي يقع مقابل بيت الخليفة المبني من الطوب الجميل عام 1887، وتحول اليوم إلى متحف يتم فيه عرض الصور والأدوات والأسلحة التي استعملت أيام ثورة الإمام المهدي وخليفته عبد الله التعايشي ، ضد الاحتلال البريطاني.

وكانت فرصة تناقشنا فيها عن اقتران اسم السودان خلال العقود الأخيرة بالحروب الأهلية، والأزمات الغذائية، والفقر، بالرغم من أن هذا البلد غني بثرواته البشرية والطبيعية ، والتي قد تعززها أكثر فرص إطلالة السلام، وتدفق النفط... الذي بدأ يضخ في الخزينة السودانية ، وبدأت ثماره واضحة لزائر الخرطوم حيث التغييرات التي بدأت تطرأ على الكباري وتحسينات الطرق المعبدة وتوسيعها ..وبيّنت للبروفسور الكريم أنني لاحظت من خلال التعدد القبلي والتنوع العرقي وجود تشابه كبير بين موريتانيا والسودان ، حيث تنتشر في كليهما القبائل العربية والزنجية .. ويبقي الفارق الوحيد في وجود نسبة مسيحيين 5% ووثنيين 25% ، ومسلمين 70% في السودان ، بينما موريتانيا لم يسجل التاريخ أن عرفت ، منذ ثلاثة عشر قرنا من الزمان تقريبا ، غير الإسلام السني الأشعري المالكي .!كما تنتشر في الخرطوم تجمعات من المواطنين الذين يسيرون في الشوارع جماعات جماعات، ولا يترددون حين حلول الأذان في الصلاة حيثما كانوا متجمعين ، وهي ظاهرة تذكرني بمثيلها في العاصمة انواكشوط أيضا وخصوصا قرب الوزارات والمصالح الحكومية ..

وحين عبرنا فوق الجسر المقام على نهر النيل أخبرني البروفسور أن هذا النهر يقطع أكبر مسافاته في الأراضي السودانية أكثر من أي أراض أخرى يمر بها في رحلة الحياة من أوغندا حتى البحر الأبيض المتوسط .وليل الخرطوم من أجمل الليالي التي تبقي في الذاكرة بهدوءه الذي يلبسه ، منذ مغيب الشمس مباشرة ، وخصوصا في مناطق وسط العاصمة ، بعد هوجة النهار وفوضويته بالحركة الدائبة ، غير أن سكون ذلك الليل لا يعكره على زائر العاصمة إلا كثرة الإجراءات الأمنية ( كان هذا قبل توقيع اتفاقية نيفاشا للسلام مع الحركة الشعبية) ، حيث توجد سيارات الأمن والشرطة عند أغلب التقاطعات المروربة بشكل كبير وملفت لا يجعل بدًّا من الاستفسار عن سبب ذلك ، فيكون الرد الجاهز : أن هذا شيء روتيني وعادي لدي ساكنة العاصمة وأن الأمن خير من انعدامه والبلد لا تحتمل أكثر ..!!

وقد أوقفت سيارة التاكسى التي تحملي في اتجاه مطعم يبدو أنه من أرقى وأنظف مطاعم الخرطوم ويسمى " أمواج" إحدى دوريات الشرطة ، فسألوه في أي اتجاه يسير ، رد عليهم أنه يحمل ضيفا عربيا موريتانيا يزور السودان هذه الأيام ، وأنه سائر إلى مطعم أمواج ، فأخلوا سبيله بعد الترحيب بنا بالقول : " أنت في بلدك السودان.

وتزامنت زيارتي للسودان بإعلان الخرطوم عاصمة للثقافة العربية في سنة 2005 ، وهو حدث فكري وثقافي اهتم به السودانيون شعبا ونخبة عالمة اهتماما بالغا ، بعد الحفل الخطابي الذي أعلن فيه الرئيس الفريق عمر حسن البشير انطلاقة السنة الثقافية العربية في قاعة الصداقة المعروفة في الخرطوم ، بحضور كوكبة من المثقفين العرب من مختلف الأقطار العربية يتقدمهم الدكتور المنجي ابوسنينة المدير العام للمنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم ( الآلسكو) ومقرها تونس .

وفي نفس الأسبوع افتتح معرض الكتاب السوداني المصري في نادي الضباط ، حيث زرته لأتقفي آخر الإصدارات السودانية والمصرية ، وكانت المرة الأولى التي أشاهد فيها كتاب الحركة الإسلامية في السودان من تأليف الأخ الصديق والكاتب الكبير محمد بن المختار الشنقيطي ، كما رأيت في أحد الأجنحة كتاب الحقيقة والتاريخ عند ميشيل فوكو للدكتور " الفيلسوف" عبد الله السيد ولد اباه ، وسعدت بأن الكتاب الموريتانيين ، على تواضع حجم منشوراتهم ، يجدون في النهاية الباب إلى المعارض العلمية ، ويسهمون بالتالي في استكمال أدوار الآباء الشناقطة الذين مروا من السودان ذات يوم علماء وفقهاء ودعاة .

ومن أهم المعالم الجمالية للعاصمة الخرطوم مجمع برج الفاتح الاستثماري الذي تقوم بتنفيذه الشركة الليبية للاستثمارات الخارجية كرمز مهم للتعاون الثنائي بين الأشقاء الليبيين والسودانيين .وقد شاهدت جزءا من أعمال التنفيذ لهذا المشروع الاستثماري الكبير الذي يدشّن، كما أفادني أحد المهندسين السودانيين العاملين فيه ، على مساحة إجمالية قدرها خمسة وأربعين ألف وثلاثمائة وستين مترا مربعا تبلغ المساحة المسقوفة منها ستين ألف متر مربع .

ويضم هذا المشروع الاستثماري الكبير فندقا من فئة خمس نجوم يتكون من تسعة عشر طابقا وثلاثة مراكز خدمية منها مركز تجاري يحتوي على مكاتب فخمة وقاعات عرض وأسواق ومركز لقاعات المؤتمرات ومركز رياضي متكامل بالإضافة إلى سلسلة من المطاعم والمقاهي وموقف سيارات متعدد الطوابق وحدائق وقد صممت واجهة مجمع الفاتح على هيئة سفينة شراعية زجاجية من أجل أن تعكس طبيعة المنطقة النيلية التي يقع فيها المجمع على النيل الأزرق في منطقة الخرطوم. كما أن الإضاءة الليلية للواجهة روعي فيها أن تكون رؤيته البصرية متاحة من جميع المناطق مثل أم درمان والخرطوم بحري...

و من الأحياء الشعبية التي زرتها وذكرتني بموريتانيا منطقة "منطقة اجريف "التي ترقد في أحضان النيل الأزرق وتحدها من الغرب أرقى أحياء الخرطوم ، حيث شبهتها بمقاطعة توجنين في انواكشوط، نظرا لزحمتها الشديدة وانتشار الأزقة الضيقة الترابية التي تسبب إزعاجا حقيقيا للعربات الهندية ، المستعملة على نطاق كبير في النقل في الخرطوم ، التي كنا نشاهدها في الأفلام الهندية بعجلاتها الثلاثية ومقصورتها التي لا تسع أكثر من ثلاثة أو أربعة أشخاص..

ولا يخطئ المرء الفرق بين الحياة في منطقة اجريف و بين الأحياء الجديدة كمنطقة الخرطوم (2)... التي تأتي على مقربة من دوار الكوكاكولا وتحديدا بشارع دانفوديو حيث الحدائق الخضراء التي تحيط بالفيلات القريبة وعلى بعد دقائق معدودة من الهيئات و الوزارات الحكومية و المستشفيات و المدارس و الجامعات ، وتشتهر بمجمع سكني سياحي يسمي"جوهرة الحجاز" ويبدو أنه عمل استثماري خليجي سعودي ولا يمكن لزائر الخرطوم إلا أن يمر من أمام مبني وزارة الحج و " مركز عفراء سنتر التجاري " ، وهو نشاط استثمار تركي يحوز على تصنيف أكثر المواقع زيارة من السودانيين وضيوفهم في العاصمة الخرطوم ..وفي آخر أيامي في العاصمة السودانية الخرطوم أخذت الوقت الكافي لأتجول في مطار الخرطوم الدولي ، الذي يشبه مطار انواكشوط ، من حيث كونه يقع في وسط العاصمة ويحتاج للتوسعة والتطوير..

وقد تأخرت طائرتنا نظرا لبرمجة زيارة من عشائر وأعيان قبائل دارفور من المقرر أن يستقلوا معنا نفس الطائرة المغادرة إلى طرابلس بالجماهيرية الليبية استجابة لدعوة من الأخ القائد معمر القذافي في إطار جهود التقريب بين الأشقاء والمصالحة لمشكلة درافور" المستعصي"! ، ولم أكن أدرى أن القدر يخبئ لي فرصة رؤية "الشيخ موسى هلال" ، أحد القادة المفترضين بحسب وسائل الإعلام الأمريكية لمليشيا الجنجويد . حيث أشار إلي أحد الجالسين في قاعة انتظار مطار الخرطوم هل تعرف الشخص القادم ، فأجبته لا ! فقال لي هذا : موسى هلال ..ألم تسمع عنه؟؟وجدته رجلا أربعينيا يتشابه في سماته وقسماته وطوله وبشرته النحاسية مع صديقي العزيز ( مع الاعتذار الأخوي) الأستاذ الدكتور المختار ولد حنده بشكل كبير . سبحان الله ، ، ويخلق من الشبه أربعين!

وبحسب وسائل الإعلام الأمريكية فإن الشيخ موسى هلال يأتي على لائحة تضم خمسة مسؤولين سودانيين كبار متهمين في قضايا الإبادة الجماعية للأهالي في دارفور ومطلوبين للمحكمة الدولية في لاهاي...كنت أتمنى أن تتاح الفرصة لي للاقتراب منه والسلام عليه ، لكن وجوده في الدرجة الأولي (Business class) والإجراءات المشددة في عزله عن الناس العاديين أمثالي ضيعت علي فرصة التحاور معه ومناقشته وقراءة أفكاره .. ربما تأتي فرصة أخرى .. والله أعلم!

ولا يمكن أن أقفل هذا الملف السوداني دون أن أشير لماما إلى المرأة السودانية التي كنت أخالها بحكم القرب الجغرافي أقرب للسلوك المشرقي للمرأة العربية ، ولكنني وجدتها تشبه وضع شقيقتها الموريتانية البدوية التي تعشق الحرية وتأبي الارتهان للروتين و القولبة ، فالمرأة السودانية أقرب إلى سلوك المرأة الموريتانية ، حيث لفتت انتباهي ظاهرة حضورها للحفلات و السمر الليلي ، و لها أن تحجز بارتياح كامل طاولات بإسمها ، فهذه طاولة الآنسة زبيدة ، وهذه طاولة خاصة بالآنسة خديجة .. الخ ، وهو ما لاحظته في صالة أفراح فندق الميريديان الخرطوم ، حيث السهرات التي تنعشها فرق طرب إثيوبية ( أو حبشية كما يفضل السودانيون) ليالي الأحد و الخميس ، علاوة على الحضور اللافت للمرأة السودانية في عالم التجارة و الأعمال المختلفة ، وهو ما أبان عن قوة شخصيتها وثقتها الكبيرة بنفسها ..!

كما تصادفت أيامي في الخرطوم مع إخوة عرب يمثلون جامعات عربية مختلفة تقيم اتفاقيات تعاون وشراكة مع الجامعات السودانية التي تربو على الثلاثين مؤسسة جامعية في أنحاء السودان ، ليس هذا فقط ، بل قابلت عدة طلبة عرب من دول شقيقة كالإمارات والأردن يتابعون دراساتهم في مراحل الماجستير و الدكتوراه في الجامعات السودانية ، وهو شيء جميل و مفخرة ، ويعني أن هذا البلد العربي الإفريقي راكم حصادا معرفيا مهما يمكن المراهنة عليه في عمليات صنع رأس المال العربي في الألفية الجديدة .

وأخيرا ... تركت السودان وفي قلبي لها معزة كبرى وتقدير لا يوصف ، أتمنى أن أزوره مرة ومرة ومرة أخرى وأتجول فيه دون تعجل من الشرق والجنوب والوسط والشمال حتى يتسنى لي أن أراه بصفة شمولية أوضح وأقرب إلى الحقيقة.. خصوصا أنني أحسست بتوحد كياني ولا غربتي البتة عن الأشقاء السودانيين.

عودة للصفحة الرئيسية