وما جبنت خيلي

الثلاثاء 22-12-2009| 11:40

محمد فال القاضي

لا أستطيع أن أنكر أنني قرأت بتأثر بالغ اعتذار صديقي (الناجم الشيعة) عن رده على مقالي (عود على بدء) بالرغم من أنني كنت قد وصلت حد الفيضان لما لمسته في ذلك الرد من تحريف للحقائق ـ ولو كان عن غير قصد كما يقول ـ فقد ذكرني بأيام السجن التي اتهمت فيها ظلما بأني ضابط في المخابرات الموريتانية ، كغيري من الضحايا الموريتانيين الذين ذهبوا ضحية ما سمي يومها "بالشبكة"، لذلك أقول لصديقي لا تثريب عليك اليوم فليس لي إلا أن أقبل منك العذر، وأسكت مثلما سكت جميع الضحايا أكثر من عشرين سنة بعدما مضغنا ورمينا عظما، دون أدنى كلمة اعتذار نحاجج بها أبناء جلدتنا ممن نظروا إلينا يوم قررنا الالتحاق ق بجبهة البوليزاريو بأننا مجانين وكنا يومها نحلم بالنصر أكثر مما يحلم بعض الصحراويين، فإذا بالحلم يتبدد بين عشية وضحاها، لنجد أنفسنا نصور لمن انطلقنا لنصرتهم على أننا ألد أعدائهم ولست بحاجة لأن أذكرك بأنك عايشت مآسينا بكل تفاصيلها، وبالرغم من أن المسؤولين عن هذه المآسي يمكن عدهم على أصابع اليد إلا أن جزء منها يقع على عاتق كل المثقفين الصحراويين ـ وأنت منهم ـ الذين سكتوا حتى بعد أن ظهرت براءتنا ، فليس من الإنصاف أن تطالب الضحية بنسيان ألمه دون أن تواسيه ولو بكلمة اعتذار .

قد تقول لي بأن من أحمله المسؤولية كان يوما ضحيتي لكني أذكرك بأن خروج موريتانيا من الحرب كان بعد أكثر من سنة من التحاق آخر فوج من الموريتانيين بصفوف الجبهة. كما أني ـ مثلما ذكرت ـ لا أحمل المسؤولية عن معاناتنا في سجن الرشيد و 12 أكتوبر إلا لمن استطيع عدهم على أصابع يدي .

لكل هذه الأسباب فإني لم استطع أن امنع نفسي من أن أسألك وأسأل كل صحراوي حر السؤال التالي : إذا كان الموريتانيين إخوة وكان من سجنوا منهم قد ظهرت براءتهم ، أو ليس لهم الحق في إعادة الاعتبار ولو بأضعف الإيمان ؟.

سامحني صديقي ... يبدو أن ذلك الكابوس اللعين لازال يطاردني ، ويبعثر أفكاري ، فقد كنت أريد أن أعتذر منك وأقبل بصدر رحب اعتذارك ، على ما فيه من تلميحات أخشى أن تكون حسب ما فهمت ، وسأعود للرد عليها بعد أن تسمح لي لأنقل لك بعض الصور التي لازلت احتفظ بها هي كل ما تبقى لي من عزاء عن رحلة الشقاء التي رحلتها :

ـ يوم هممت بالخروج من موريتانيا في اتجاه المخيمات ، كان آخر من نظرت في وجهه ابن أختي الذي لا يتجاوز عمره الأربعين يوما ، وكادت نظراته تثنيني عن عزمي ، كأنما كان يقول في صمت أو تذهب وتتركنا ، فأجبته في صمت ، هناك أطفال في مكان ما أكثر احتياجا لي منك ، ثم انطلقت ... ! !

ـ في المخيم حيث كنت أسكن أيام العطل أحسست بدفء العائلة و الأهل دون أن تكون لي أم ولدتني إنما من كنت أسكن عندها كانت تناديني " أوليدي " بل كانت تقربني أكثر من أولادها ... ( أرجو أن تكون فهمت القصد ) .

ـ في مدرسة 12 أكتوبر بكيت لأجل الأطفال الصحراويين وبكوا لأجلي: بكيت لأجلهم يوم خاض القسم الذي كنت أشرف عليه مسابقة ووقع خطأ في التحكيم كانت نتيجته في غير صالحه ، وكنت أنت ضمن لجنة التحكيم ، التي اضطرت في النهاية إلى إعادة المسابقة ، وبكوا لأجلي يوم دخلت عليهم قادما من السجن حيث كنت أتلقى التهانئ على إتقان العمل والتفاني فيه .

هذه الصور على بساطتها لم تستطع الصورة السوداء محوها من ذاكرتي يوم أجلسني " المحققون " معصوب العينيين مكبل اليدين والرجلين بعد وجبة " تقدير واحترام "، واخبروني بالحرف بأ ن روحي أهون عليهم من روح شاه ، ولك أن تتخيل بقية الصورة ... ولأن أمي بعيدة ـ يحرك أم السبع في اكفاه ـ رموها ب ............... وهي محـصنة دون أن يكون لديهم أربعة شهداء، ولم يكن المقام مناسبا لأقول لهم بأن أمي تزوجت أبي ولم ير أي منهما الآخر ، وأنها تحفظ كتاب الله ، ومن الفقه ما أدت بها فرائضها من صلاة وحج وزكاة ، وأنها كانت ولا تزال تصوم صوم أيوب الذي كان يصوم يوما ويفطر يوما، وفوق هذا كانت على بساطة أفكارها أول شخص أسمع منه كلمة انتقاد لدخول ولد داداه حرب الصحراء، فكانت تقول "أعوذ بالله يقتل المسلمين" .

ربما كان ردي عليك من باب " اختيل مولانا بالحشيش" لكن اعذرني فمثلما الصحراويون أهلي فموريتانيا بلدي والموريتانيون أهلي بغض النظر عن عيوبهم .

أما عن ردي نيابة عن أصحاب البيان "موضع المناظرة بيني وبينك" فليس بالضرورة دفاعا عن موقفهم، إنما الأمر أشد بساطة مما تصورت ، فهو لا يعدو كوني أدافع عن حق كل موريتاني مثلي في أن يعبر عما يشاء تبعا لقناعته ، ولأنني شديد الحساسية والغيرة على كل ما هو موريتاني فسأظل أدافع عنه مادامت هذه قناعتي .

وفيما يخص ردك الذي ألبسته ثوب اعتذار ـ مقبول ـ فاني أقف عند النقاط التالية :

- فيما يخص تبرئة نفسي من اتهامك فقد كنت أعتقد أنك فهمت قصدي إذ أوضحت أن من زجوا بي في السجن هم من اتهموك ، ولست افتري عليهم وان شئت فلدي بعض الأسماء ، ولم ادع أنهم صادقون ، ومادمت قد اكتويت بنارهم فربما تكون لديك قصص مشابهة ، يقحم فيها أناس أبرياء مثلك ، وهنا أخبرك بأنه تم إرغامي على التوقيع على محضر يزيد على السبعين صفحة لا يحتوي على كلمة صدق واحدة ، وتقاريرك ربما ليست استثناء من مؤلفات الكذب والتلفيق التي أرغم كل موريتاني في سجون البوليزاريو على توقيعها .

- أما محاولة تمتين العرى بين الموريتانيين والصحراويين فذلك يشبه حمل الحجارة للجبل، فليس هناك ساذج يشكك في متانة هذه العرى، وليس هناك أي شاذ ولا غبي يمكن أن يجتثها من جذورها، بالرغم من التنظير الذي كان يروج له في المخيمات، أيام منع " الدراعة " وموسيقى " البظان "، وتسمية "البيظاني" ب "اروييستا " .

أما إن كان تمتين العرى الذي نتحدث عنه يقصد منه السكوت على الجلادين ، فذلك زمن ولى ، وأعتقد أن هناك موريتانيون كثيرون لن يستطيعوا نسيان ما تعرضوا له من بطش على يد من اسماهم البعض "المناشف الوسخة " ولم يسلم من بطشهم الصحراويون أنفسهم .

أعرف ـ كما قلت أنت ـ أنني أقحم أفكارا ليست لها علاقة بالموضوع ، لكن اعذرني فما زلت رغم السنين لم أستطع تجاوز الصدمة التي تعرضت لها باسم الصحراويين وان كانوا أبرياء منها فأنت لا تعرف معنى أن يأتي من شارك في سجني والإشراف على تعذيبي "احجيبة ولد افريطيس" إلى مسقط رأسي "واد الناقة " ويقيم إلى ما شاء، ثم لا أنبث بكلمة لأنه دخل باسم الصحراويين... أهناك من يفهمني؟؟ .

- لا أخفي أنني وأنا أقرأ الرد الاعتذار شعرت بشيء من الخجل لأن صديقي اعترف لــــي ـ مشكورا ـ ببعض الأفضال ويعتذر عما صدر منه من كلام أعادني إلى كابوسي المفزع إلى أن وصلت في القراءة إلى كلمة الوداع، وفراق الأحبة صعب إذا حلت السهام محل عبارات الود ، وحرقة الشوق، فقد طلب مني صديقي أن أجد متسعا من وقتي لاقترب من الإعلام المغربي، خاصة هذه الأيام، ولأني " بيظاني" عكس ما يتصور صديقي فقد فهمت القصد، وتذكرت شطرا من بيت كان أقبح ما قيل في الاعتذار "وما جبنت خيلي ولكن تذكرت مرابضها ............................ "، ولمن لم يكن حاضرا لحظة الوداع فإن هذا الصديق همس في ادني بأنه قرأ ما كتب في الإعلام " المغربي " من الإعلان عن " جمعية ذاكرة وعدالة" التي أعلن عن ميلادها مجموعة من الموريتانيين ضحايا سجون البوليزاريو وكنت من ضمنهم ، غير أن هناك أشياء غابت ـ ربما عن عمد ـ عن ذهن صديقي أجملها فيما يلي :

- أن إعلاما غير الإعلام المغربي نشر خبر الإعلان ، فاستطيع أن اعدد أكثر من عشر صحف موريتانية نشرته ، أم أن الإعلام الموريتاني لا يستحق " أن أجد له متسعا من الوقت " لحاجة في نفس يعقوب ....؟؟ .

- أن الجمعية مرخص لها من طرف السلطات الموريتانية ، أم أن هذه السلطات تفقد مصداقيتها إذا حالفت رأي " حذام " .

- أن هذه الجمعية حددت في بيان وزعته على الصحافة أهدافها بكل دقة، وإن أراد صديقي بعثت له نسخة من البيان ليطمئن أنه ليس من ضمن اللائحة وأننا لا نتاجر بمعاناة أحد، ومع أي أحد .

- أن القائمين على هذه الجمعية مند عشرين سنة و"بضاعتهم" على أجسادهم، ولم يبيعوها لأي كان يوم كانت "مربحة"، وأضعف الإيمان كان بإمكان هؤلاء أن يكونوا من سكان "اكجيجيمات"، لكن في المقابل لا أعتقد أنك ستضن علينا بأن نئن كي يسمعنا العالم، عله يوما ينصفنا في من عذبونا، خاصة أنهم اضروا بالصحراويين أكثر مما ا ضرونا .

- أدعو صديقي أن يتبرأ من هؤلاء الجلادين مثلما تبرأ منهم أغلب الصحراويين، بل أن يدعوا لمحاكمتهم إذا كان صادقا في تمتين العرى بين الصحراويين و الموريتانيين .

محمد فال القاضي

عودة للصفحة الرئيسية