حديث حول أزمة الحكم في موريتانيا والحوار والأدب

الجزء الثالث والأخير من المقابلة التي أجرتها صحيفة "العربي الجديد" مع الأستاذ محمدٌ ولد إشدو

الثلاثاء 19-05-2015| 13:00

الأستاذ محمدٌ ولد إشدو

 من بين إصداراتك كتاب بعنوان "أزمة الحكم في موريتانيا".. ما هي أزمة الحكم الحقيقية في موريتانيا حاليا؟ وما رأيك بالحوار بين المعارضة والسلطة؟

ج)-أزمة الحكم في موريتانيا أزمة عميقة. وهي قائمة منذ 10 يوليو 1978 وهو اليوم الذي انقلب فيه الجيش على النظام المدني الرشيد على علاته، بقيادة مؤسس وباني موريتانيا الرئيس المختار ولد داداه. لقد أرسى المختار ولد داداه أسس الدولة الحديثة على أنقاض الخيمة والكوخ والقبيلة والجهة. وفصل فصلا تاما بين السلطة والمال. بينما عمل الذين انقلبوا عليه على نقض غزله وتقويض ما بناء والنكوص من الدولة إلى الخيمة والكوخ والقبيلة والجهة و"الجمع بين الأختين" السلطة والمال. وقد استمرؤوا ذلك النهج واستباحوا كل شيء في سبيله، فنشروا الفساد، وضيعوا العباد والبلاد، واختطفوا الجيش وسخروه للدفاع عنهم. واليوم وقد "انقلب" الموريتانيون ضد نهج الفساد وشقوا طريقهم إلى الحرية والتقدم، وأنجزوا الكثير، وبقي الكثير والكثير، فإن القوى المستفيدة من نظام الفساد ترص صفوفها وتسعى إلى العودة عن طريق تخريب المسار الوطني، وتستخدم كل الوسائل والطرق المؤدية إلى ذلك، وتعمل في جميع المواقع التي تحتلها داخل أجهزة الدولة، وفي صفوف الموالاة والمعارضة معا، وعن طريق الصحافة والنقابات ومنظمات المجتمع المدني. إن أزمة الحكم تكمن في استمرار نشاط بؤر الفساد، وفي عدم الفصل النهائي بين السلطة والمال الذي لا يبدو أنه قريب التحقيق.

هذا عن أزمة الحكم. أما فيما يتعلق برأيي في الحوار، فقد سبق لي أن كتبت عنه، وقلت إنه "أسلوب حضاري راق يلجأ إليه في الأزمات والصراعات الكبرى والصغرى معا". وإني لأؤيد طبعا إجراء حوار بين المعارضة والسلطة. وقد أوضحت وبرهنت بالأدلة القاطعة على "أن الأحداث الكبرى والمنعطفات الحاسمة التي عاشتها بلادنا كانت ثمرة حوارات وطنية جادة تمت بين الفاعلين السياسيين في كل منعطف، وأدت إلى حلول إيجابية ومرضية حققت الاستقلال والتنمية، وصانت الوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي". ولكن الحوار - هو الآخر- له قواعده؛ فمتى يكون؟ ومع من؟ ومن أجل ماذا؟ ولكي لا أسهب في هذا الموضوع أرى أنه، وبرغم عدم وجود أزمة حادة في البلاد يتطلب الخروج منها توحيد جهود كافة القوى الوطنية؛ فإن توطيد وتوسيع المكاسب والمنجزات الوطنية، وخلق شروط ملائمة تسمح بقيام دولة القانون والمؤسسات البعيدة كليا عن سيطرة الفرد أو المال والقائمة على فصل حقيقي للسلطات، وإشراك كافة القوى الحية في الرأي والتسيير والتوجيه، كلها أهداف تبرر الدعوة إلى حوار بين السلطة والمعارضة والمشاركة في ذلك الحوار. هذا مع التنبيه إلى إحدى خصوصيات الواقع الموريتاني؛ وهي أن معارضة اليوم تختلف عن معارضة الأمس. فبينما كانت معارضة الأمس تتكون أساسا من أحزاب وقوى وشخصيات وطنية وتقدمية تجمعها مبادئ الحرية والديمقراطية، وتكافح آفات القمع والهدر والتهميش وكبت الحريات العامة والنهب الاقتصادي والفساد والهيمنة الأمريكية والصهيونية التي يجسدها نظام ما قبل 3 أغسطس 2005، أصبحت معارضة اليوم تتألف أساسا من فلول ذلك النظام والقوى ذات المصالح المرتبطة به والراغبة في إعادة إنتاجه رغم ما تطعَّم به من رموز وأسماء، وما ترفعه من شعارات قد تختلف ألفاظها ومعانيها.

ومن نافلة القول إن من كانت أيديهم ملطخة بدماء الموريتانيين وجيوبهم متخمة بالمال العام وقاموا بإزهاق أرواح ما شاء الله من المؤسسات الوطنية والمشاريع والبنوك.. إلخ. لا مكان لهم في الحوار الوطني، ولا يوجد ما هو مشترك بينهم وبين القوى الوطنية الحية، وليس من صالحهم انطلاق حوار لا يتمخض عن النكوص بالبلاد إلى الوراء وإتاحة تقاسم الكسرة بين حفنة من المفسدين بعيدا عن مرأى ومسمع الشعب. لقد جنت القوى الوطنية المتبقية في المعارضة على نفسها عندما تخلت عن الطليعية واستقطبت في صفوفها يتامى النظام السابق على معيار معارضة السلطة القائمة فقط، دون رسم خط فاصل معهم؛ فصارت بذلك ملجأ لرموز الفساد "المعارضين" والمكلفين بمهمة في المعارضة، على غرار نظرائهم المكلفين بمهمات في الموالاة.

- ماذا يمثل الشعر بالنسبة لك؟ وهل يواكب الشعر الموريتاني المتغيرات في الواقع الحياتي؟

- الشعر في نظري هو أعذب لحن عزفه الإنسان على هذا الكوكب. وعما إذا كان الشعر الموريتاني يواكب المتغيرات في الواقع الحياتي، فلربما. وإذا حدث ذلك فلعله ظلعان وتعارج ولهاث. وذلك بسبب كثرة أدعياء الشعر والألقاب، وما يثقل به "اتحاد الكتاب والأدباء" كاهل الشعر من أوزار وتبعية للجهات المانحة.

الشعر ليس حمامات نطيرها ** نحو السماء ولا نايا وريح صبـــــا

لكنه غضب طالت أظافره ** ما أجبن الشعر إن لم يركب الغــضبا.

بعد لقب "بلد المليون شاعر" ماذا حققت موريتانيا في مجال الشعر؟

يجب أولا أن ندرك كنه وتطور هذا اللقب. لقد كان مستحقا بجدارة في مجتمع الفتوة والفحول كالمختار ولد بونه وولد رازكه، وامحمد بن الطلبه، وولد محمدي وولد الشيخ سيديا، وولد أبنو ولد احميدًا وغيرهم الذي جمع جزالة لغة القرآن وامتلاك ناصيتها، وفحولة الجاهلية، وصفاء الصحراء وبساطة البداوة، فوصفه ابن بونه بقوله:

ونحن ركب من الأشراف منتظم ** أجل ذا العصر قدرا دون أدنانا

قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة ** فيــها نبــين دين الله تبـــــــــيانا

أما الرجال فزنهم بالخطوب ولا ** تقم لنا العين قبل الفعل ميزانـــا.

وقال عنه ابن السالم:

لنا العربية الفصحى وإنا ** أشد العالمين بها انتفاعا

فمرضَعنا الصغير بها يناغي ** ومرضعنا تكورها قناعا

وقد ظل هذا اللقب مستحقا حتى غداة الاستقلال حين أطلقه صحفي لبناني زائر. واعتمده وزكاه الشاعر العربي الكبير نزار قباني، وهذا مصدر فخر كبير لنا، فقال: "وإذا كانت فلورينسا تفتخر بميغل أنغلو.. وفينيسيا تفتخر بزجاجها الملون.. والقدس تفتخر بعدد أنبيائها وقديسيها.. ودمشق تفتخر بوردها البلدي.. والبصرة تفتخر بأنها أرض المليون شجرة نخيل.. فإن جمهورية موريتانيا العربية تفتخر بأنها أرض المليون شاعر" (الأعمال النثرية الكاملة المجلد 8 ص 13).

أما اليوم، وفي ظل إكراهات العولمة الكالحة، فإن هذا اللقب لم يعد لصيقا إلا في حدود انتشار الذائقة الشعرية لدى أغلبية الموريتانيين. إنهم وإن كانوا لا يقرضون الشعر كلهم، فإنهم يستعذبونه ويطربون لسماعه ويحفظون الكثير منه. وبذلك ما يزال الشعر عندهم هو مدونة القيم والأخلاق التي ترشدهم وتردعهم وتلهمهم. وقد حققوا فوزا مستحقا في العديد من مهرجاناته حيث كانوا أمراءه ووزراءه.

- هل ما زال الأدب الموريتاني يعاني من التهميش؟ وماذا ينقصه ليحقق الانتشار في المشرق؟

- كان الأدب الموريتاني مجهولا يوم كان العرب لا يعرفونه إطلاقا، أو لا يعرفون منه غير ما اختزنته ذاكرة أديب موريتاني مهاجر إلى الشرق هو أحمد بن الأمين صاحب الوسيط. ثم جاء الاكتشاف الثاني على يد مهاجر آخر، لكنه لبناني هاجر إلى السنغال؛ هو يوسف مقلد الذي التقى بعض المهاجرين الموريتانيين فانبهر بموريتانيا وبأدبها وكتب كتابين عنها هما "موريتانيا أو العرب السمر في إفريقيا" و"شعراء موريتانيا" الذي قدمه بقطعة رائعة هذه بعض أبياتها:

اقرأ، فإني ضامن لذة ** "مجموعة" من أدب الباديه
هذي قطوف ذللت بعدما ** ظلت زمانا لم تكن دانيه
وجه من الصحراء جم اللظى ** مستعر كالمرجل الغاليه
***

كم نِعَمٍ للضاد مسبوغة ** على الوجوه السمر في الباديه
***

للضاد في إفريقيا راية ** خفاقة رفافة عاليه
يرفعها العُرْب بنو عمنا الـ ** ـبيضان أهل الهمة الساميه
هم ناشروها هم أساتيذها ** هم حصنها هم درعها الواقيه
ترجمت حبي كتبا عنهمُ ** تحمل من لبنان أشواقيه
إن الذكا كل الذكا كائن ** تالله بين النهر والساقيه

أما اليوم فإن الأدب الموريتاني قد عبر الحدود حيث تم نشر بعض درره، وقيض الله له رسلا حملوا رايته من بينهم على سبيل المثال الدكتور محمد المختار ولد اباه، والدكتور محمد ولد عبد الحي، والدكتور جمال ولد الحسن والأستاذ الخليل النحوي، والدكتور محمد ولد عبدي، والدكتور محمد الحسن ولد المصطفى.. لا، لقد انتهى عهد التهميش. أما ما ينقص الشعر الموريتاني حتى ينتشر بين العرب؟ فإن ذلك يتطلب شرطين مفقودين:

أولهما أن نميز في موريتانيا بين الجد والهزل والغث والسمين في الشعر. ولا أعتقد أن الظروف مواتية لذلك.

وثانيهما أن تتعافى ذائقة العرب الشعرية؛ وهو أمر شبه مستحيل في ظل تيه العولمة والفن السابع الأمريكي، وعجائب العالم الافتراضي والإرهاب.

- بين المحاماة والشعر والسياسة، أي الميادين تختار؟

- أختارها جميعا.

"لا خيار أن يصبح البحر بحرا ** أو يختار صوته الحسون؟"

لقد منحتني السياسة – كما أفهمها- صلابة الموقف والإيمان بالحق وبعدالة قضايا المظلومين والمهمشين والفقراء التي تبنيتها منذ نعومة أظافري.

ومنحني الشعر الإلهام؛ وبوأتني المحاماة عرش الدفاع وسلحتني بالقانون. أولم أفتتح مرافعتي عن السيد اشبيه ولد الشيخ ماء العينين بهذين البيتين وحراب الجنود مشرعة إلى نحري؟

ها أنا أنطح الصخور وأردى ** لترى النور ذرة من شجوني

وحده الشعر ملهمي إن "سافو" ** كتبت للقرون هم القرون..

عودة للصفحة الرئيسية