ذكرى الشنقيطى الوحيد الذى ترأس لجنة إعادة إعمار الأقصى

بقلم أبو الخضر يحي

الأربعاء 7-01-2015| 18:32

العلامة محمد الأمين مايأبى الشنقيطى

العلامة الشيخ محمد الأمين بن العلامة المحدث الشهير الشيخ محمد الخضر بن مايأبى الشنقيطى، واحد من بين قلائل دخلوا على التاريخ علما وعملا وسياسة ودبلوماسية بتميز منقطع النظير، فرائحة التاريخ مسك وعنبر.
 كان فى حياته المهنية الحافلة بوابة شنقيط الوحيدة إلى الأقصى فارتبط اسم شنقيط من خلاله لأول مرة من تاريخنا حتى هذه اللحظة بالمسجد الأقصى إدارة ومواقف مشهورة بدءا برئاسته لأوقاف القدس ورئاسته للجنة إعادة إعمار قبة الصخرة المشرفة بالمسجد الأقصى ورئاسة المجلس الإسلامي الأعلى وإشرافه على المعهد الديني ببيت المقدس الذى بني بتوجيهاته ، ومواكبته وشهادته على أحداث هامة هناك فكان بحق سفير شنقيط الوحيد بالقدس وما أدراك ما القدس ثانى القبلتين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم . 
تصادف هذه الأيام ذكرى مرور ربع قرن من الزمن على وفاته بالمدينة المنورة بعد عمر مديد مليء بعطاء غير مسبوق ولا مجذوذ، جمع فيه العلامة محمد الأمين بين العلم والعمل والعمل السياسي و الديبلوماسى بتميز وبراعة فائقة بهرت أهل عصره فحقق ما يعجز عشرات الأشداء من الرجال عن تحقيقه بعزيمة ماضية وعمل دؤوب ونفس لا تعرف الملل والكلل
ولم أر أمثال الرجال تفاوتت = لدى المجد حتى عد ألف بواحد
كانت جهوده الإصلاحية جلية مضيئة فى كل محطة من محطات حياته المهنية 
كالشمس فى كبد السماء وضوؤها = يغشــــــــى البلاد مشارقا ومغاربا
الشيخ محمد الأمين فقد حنان أمه الأميرة بابة بنت عثمان بن بكار بن اسويد أحمد وهو صغير فتربى تحت رعاية ومراقبة فائقة من عمته ووالده العلامة المحدث الشهيرالشيخ محمد الخضر بن مايأبى الذى عرف بالجد فكونه ورباه أحسن تربية.
كانت تربية ذلك الوالد حينها تشكل له بعض الإزعاج كشاب مقيد الحرية لا يلعب مع رفاقه إلا بتخف عن الوالد الذى يبدو أنه رأى فى ولده من الأهلية ما جعله يحرص كل الحرص على تكوينه وإن بضغط حتى يستقيم على الطريق الصحيح الذى هيئ له إلا أن تلك التربية مع ما فيها من صرامة وحزم آتت أكلها فيما بعد كما يقول الشيخ محمد الأمين نفسه حين بز أقرانه وبلغ مابلغ من التفوق:
عند الصباح يحمد القوم السرى وتنجلى عنهم غيابات الكرى 
أخذ عن والده وأعمامه وعلماء الحرمين الشريفين و ظل إلى جنب والده فى حله وترحاله العلمي فكان غالبا ما يقرأ لوالده فى درس الحديث فى المسجد النبوي وغيره وقد نال إعجاب واستحسان من حضروا ذلك الدرس الذى كانت له نكهته وطلاوته الخاصة الأمر الذى جعل المؤرخ الأديب محمد حسين زيدان يتحدث عنه فيقول إن زمالته بالشيخ محمد الأمين شكلها ثلاثي المدرسة والمسجد والشيخ فقد كان شيخه أعنى الأمين أباه محمدالخضرالشنقيطى ذلك الشيخ الذى إذا ما رأيته ماشيا وإذا ما سمعته متحدثا لا تراه إلا كبير قدر عظيم قيمة هامة ، وقامة وقيم فلقد كان الشيخ الخضر المحدث جهير صوت حلقته يكثر فيها السامعون والقارئ هو ابنه محمد الأمين يعجبنى حين يتحدث (حدثنا حدثنا ) .... جريدة المدينة 2—7-1410 هــ
تضلع الشيخ محمد الأمين من معارف عصره فكان قامة علمية سامقة فى العلوم الشرعية من فقه وحديث وأدب وغير ذلك وانتظم فى مدرسة الفلاح بمكة المكرمة وفى الأزهر الشريف وحصل على إجازات فى علوم الشرع و سافر مع والده وهوشاب للأردن رفقة الملك عبد الله بن الحسين كما فى مذكرات الملك عبد الله نفسه الذى كان صديقا لوالده وهناك كان لهما المقام الأكرم فى كل مناحى الحياة الأردنية حسبما تحدثت عنه كثير من المواقع والصحف الأردنية مثل جريدة الرأي الأردنية ففى حديثها عن البيوت والعوائل العريقة فى جبل الجوفة بعمان كان أول من سلط عليه الضوء من الشخصيات الشهيرة الشيخ محمد الأمين ووالده فتقول
شخصيات شهيرة :
وعن الشخصيات الأردنية الشهيرة والتي كان لها تأثير في مسيرة الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في هذا الوطن وسكنت جبل الجوفة قديما نذكر :
الشيخ محمد الخضر الشنقيطي أول قاضي للقضاة في الأردن ،ثم ابنه محمد أمين الشنقيطي والذي كان وزيرا للأوقاف قديما ) 
وهكذا سار الشيخ محمد الأمين على نهج والده حذوك النعل بالنعل 
وتعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر
فتولى قاضى القضاة مثلما كان والده 
ولا عجب أن يشبه الأسد الشبل

تجول مع والده فى رحلاته الشهيرة للعراق ومكث فى بغداد فترة من الزمن مع والده فى عهد الملك فيصل الذى كانت تربطه بهم علاقة وطيدة وزار معه دول الخليج والهند وتركيا وسوريا وفلسطين ومصر فكان يقرأ لوالده فى درسه البخاري بالإمارات العربية المتحدة وغيرها 
دخل العمل الوظيفى فى المملكة الأردنية الهاشمية أولا كاتبا فى المحكمة ثم ترقى متقلبا فى المناصب السامية الحساسة فكان قاضيا ومفتيا لإمارة شرق الأردن قم قاضيا للقضاة مثل ما كان والده ووزيرا للتعليم ونائبا لرئيس الوزراء ومفتيا عاما للملكة الأردنية الهاشمية ورءيس هيئة العلماء وعضوا فى مجلس النواب وعضوا فى مجلس الأعيان ثم استقال وعين سفيرا للمملكة الأردنية الهاشمية فى السعودية والسودان وكان مقره فى جده فصار عميد السلك الدبلوماسي عرف بالحيوية والنشاط فى العمل والصراحة والجرأة فى الحق فكان لايداهن ولا يحابى
تناول كثير من رجال الإعلام والكتبة صراحته وجرءته الخطيرة
فتحت عنوان الشنقيطى كان يتمنى أن يرى أحجار القدس لا أحجارا من القمر كتب الدكتور سميح الخضراء فى جريدة الشرق الأوسط عدد4091 أنه" جاءه فى تلك الفترة وهو عميد السلك الدبلوماسي فى جدة سفير إحدى الدول مصطحبا معه أحجارا من القمر يستعرض إنجازات بلده وتقدمها هانحن وصلنا القمر وهذه أحجاره فقال الشيخ رحمه الله بلهجة صادقة الحزن والأسى كنت أحب أن أرى حجارة القدس قبل أن أرى حجارة القمرأرجوك أن تبلغ حكومتك بذلك " فوقع السفير الأجنبي فى حرج كبير ولم يعلق" .
أحاديث لو صيغت لألهت بحسنها عن الوشي أو شمت لأغنى عن المسك 
يعد الشيخ محد الأمين محمد الخضر الشنقيطى المؤسس الحقيقى لدائرة القضاء الشرعي فى الأردن كما كان له أكبر الأثر فى إصلاح التعليم بالأردن.
وقد وصفته صحيفة الدستور الأردنية 14-1-1990م بأنه من الرواد الأوائل الذين أسسوا النهضة التعليمية المعاصرة فى الأردن .
وأنه أول من نادى بمبدإ التكامل بين المناهج فى جميع المواد والاندماح بين الدراسة الأكاديمية والحياة العملية.
وكانت مواقفه الجريئة الخالدة فى الإصلاح محل تقدير وإشادة من أهل الشأن.
فقد كتب فضيلة الشيخ أحمد الماضى فى مجلة الشريعة الأردنية فى عدد ها الثانى الصادربعمان عن بعض ذلك فقال : بمناسبة قرار سماحة قاضى القضاة ووزير التربية والتعليم بتطويل ألبسة المعلمات والطالبات وستر رؤسهن وان يتجنبن المساحيق والتبرج وليعدن إلى الحشمة والوقار وستر ما حرم الله إبداءه فإنى أكرر جزيل الشكر لسماحته ولا غرو فبسلفه القدوة الحسنة وبعد الاطلاع على كتاب زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم وحاشيته فتح المنعم لعمه المرحوم الفاضل سيدى محمد حبيب الله اليوسفى الشنقيطى فإنى أنقل إلى القراء مقتطفات من ذلك الكتاب ... ونقل أمورا تتعلق بنفس الموضوع ... ثم قال ..وقد قيض الله لهذه الأمة من يحافظ على الدين وينصره فجاء نجل أخيه قاضى القضاة ووزير التربية والتعليم الشيخ محمد الأمين بن المرحوم الشيخ محمد الخضر الشنقيطى لينفذ نصوص الشريعة الإسلامية فى الأمة المسلمة والبلاد العربية المؤمنة فى ظل لواء سبط رسول الرحمة وسليل الدوحة الهاشمية محرر الأردن ومليكه الحسين المعظم ولا غرو فإن سماحته بمنزلة عليا وبيده توجيه الأمة لمعالم دينها والتمسك بعقيدتها وحشمتها بما أسند إليه من رتب فعالة فهو راع ومسؤل .
وجاء تحت عنوان الاتجاه الدينى فى وزارة التربية والتعليم من مجلة الشريعة الصادرة بعمان فى عددها الثانى من السنة الثانية ربيع الثانى سنة 1380 هــ تشرين الأول 1960 م: 
تلقينا من أحد خريجى كلية الشريعة كلمة يعرب فيها عن تقديره "للخطوة الجريئة التى أقدم عليها سماحة السيد محمد الأمين الشنقيطى بوصفه وزيرا للتربية والتعليم فى حمل معلمات المدارس وطالباتها على الظهور بمظهر الحشمة والوقار والتزيى بالزي الذى يرتضيه الدين وينسجم مع الآداب العامة مما كان الأثر الطيب فى النفوس الخيرة التى تمقت لباس التبذل والخلاعة ومظاهر التهتك والتبرج والإسفاف الخلقى . (ويتقاضانا الواجب بهذه المناسبة أن نسجل لسماحة الوزير الحالى بمداد الفخر والاعتزاز مواقفه الأخرى فى إصلاح شؤن وزا رة التربية والتعليم ، وتطهير جهازها من أوضار الحزبية البغيضة ، وأدران الإلحاد ، واعتبار مادة الدين أساسية فى مناهج الدراسة ، وإجبار المعلمين والمعلمات ، والطلاب والطالبات ، على احترام الشعائر الدينية ، وأداء الصلوات المفروضة فى أوقاتها , وتضيف المجلة
ويجب ألا يفوتنا فى هذا المقام التنويه بأياديه البيضاء على المعهد الإسلامي فى بيت المقدس الذى أعد لتخريج رجال الدين وأئمة المساجد وخطبائها ووعاظها ....
كان الشيخ محمد الأمين محل تقدير وإجلال من الأسرة الهاشمية الملكية فى الأردن وكان محل ثقة وأمان عندهم كما كان والده الشيخ محمد الخضر فكان الملك عبد الله بن الحسين يجله ويقدمه فى الصلاة ويستشيره فى المهمات وينتدبه لتمثيله فى كثير من المناسبات فاستشهد وهو بجواره فى المسجد الأقصى يوم 20 يوليو 1951 م فاعتبر الشاهد الرئيسي فى المحاكم وما شارعي الشنقيطيين فى مدينة عمان إلاتقديرا لمكانته ومكانة والده الشيخ محمد الخضروتخليدا لذكراهما. 
تقلد العلامة الشيخ محمد الأمين أوسمة كثيرة من رؤساء وملوك بارزين فى عصره منها الوسام العلوى من الدرجة الأولى من المملكة المغربية ، ووسام الرافدين النوع المدنى من الملك فيصل الثانى ملك المملكة العراقية ، سنة 1946 م
وسام النهضة المرصع عالى الشأن سنة 1967 م من الملك حسين بن طلال المملكة الأردنية الهاشمية
وسام التربية الممتاز 1971م المملكة الأردنية الهاشمية الملك حسين 
وسام الملك عبد العزيز الدرجة الأولى سنة 1975 م الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود المملكة العربية السعودية التى كان له فيها دور بارز مشهود وعلاقات مع كبار القوم فيها ما زال بعض الشناقطة العاديين وحتى بعض وزراء الدولة الموريتانية الحديثة يلمس أثرها الطيب هناك كما هو معروف فى مواقف وحكايات ليس هذا مقامها.
وقد حظي الشيخ محمد الأمين برئاسة وعضوية هيئات ولجان ومجالس علمية وسياسية حساسة فكان رئيسا لهيئة العلماء فى المملكة لأردنية الهاشمية ، وريئسا للجنة البرلمانية التى درست حالة الملك طلال الصحية وأوصت بنقل الملك إلى نجله الملك حسين ، ثم عضوا فى لجنة الوصاية على العرش إبان سفر الملك حسين إلى الخارح ، ورئيسا للجنة إعمار قبة الصخرة المشرفة إضافة لعضويته فى مجلس النواب ومجلس الأعيان ، ومجلس الوزراء على فترات ،
بعد تقاعده فى العمل البلوماسي فى السعودية انتقل الشيخ محمد الأمين مجاورا بالمدينة المنورة فكانت داره قرب الحرم النبوي وظل هناك سنين طويلة بين مكتبته الكبيرة التى ورثها عن والده وأضاف لها ما يمكن من نفائس الكتب وبين الحرم النبوي مواظبا على الصلاة فيه حاضرا فى كل المناسبات مع الناس من رؤساء ومرؤسين مع الجميع فى أفراحهم وأتراحهم
فلا هو فى الدنيا مضيع نصيبه = ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله 
إلى أن توفاه الله يوم 13- 1- 1990م فى المدينة المنورة حيث يحب ويتمنى كل مؤمن ودفن بالبقيع الطاهر حيث دفن والده الشيخ محمد الخضروأخوه المحامى محمد عبد الله رحمهم الله
وتولى أبو الحسين حميدا فعلى روحه سلام السلام.

وقد كانت لوفاته ردود فعل واسعة فى الصحافة الأردنية والسعودية على حد سواء فطالب كتاب بارزون حينها بإطلاق اسمه على مدارس وشوارع تخليدا وتقديرا لدوره الريادى فكان من آثر ذلك أن أصبح فى عمان شارع الشيخ محمد الأمين الشنقيطى تخليدا لذكراه كما سمي شارع باسم والده هناك شارع الشيخ محمد الخضر آل مايأبى فى عمان ، كما فى كتاب من أعلام الشتاقطة فى الحجازوالمشرق.
وقد رثاه كثير من أهل العلم والأدب من أهل موريتانيا والأردن والسعودية كالعلامة الكبير المؤرخ المختاربن حامد وغيره فرحمه الله وأسكنه فسيح جنته وبارك فى ذريته .

عودة للصفحة الرئيسية